ولا شك أن نار الخصومة والحقد قد اضطرب في نفوس الحاكمين والمحكومين على السواء ، بفعل هذه الحزبية الخاطئة , التي لم نفهمها نحن في مصر في يوم من الأيام على أنها خلاف في الرأي لا يفسد للود قضية , بل فهمناها عداوة وبغضاء تتعدى النظر في المصالح العامة إلى المقاطعة في كل الشؤون عامة وخاصة , وإلى أن نرى الحق في جانب خصومنا الحزبيين باطلا , والباطل في جانب أنصارنا الحزبيين حقا , ونصدر من هذا الشعور في كل تصرفاتنا وصلاتنا , ويستفحل هذا الداء ويستشري حتى في أحرج المواقف , فلا نستطيع أن نوحد صفوفنا في أي موقف قومي مهما يكن يتوقف عليه إصلاح أمرنا ومستقبل بلادنا .
وهذا الشعور البغيض , والفهم الخاطئ للحزبية الذي تحول إلى عداوة متأصلة , قد كان من نتائجه : أن انصرفت معظم الجهود الفكرية والعملية إلى أمرين استغرقا كل اهتمام رجالنا , وهما : الإيقاع بالخصوم الحزبيين واتقاء مكائدهم , فالحاكم يصرف جل همه في هاتين الناحيتين , والمعارضة لا تقل عن الحاكم اهتماما بها , وفي سبيل ذلك تضيع الحقوق وتتعطل المصالح , ويرثى الأصدقاء ويشمت الأعداء , ويستفيد الخصم الجاثم على صدر البلاد .
هذه الحال قد أنتجت التحطم في المعنويات ، والفساد والاضطراب في الماديات وقد بلغ الأمر منتهاه ولم يعد قوس الصبر منزع ، ولابد من تغيير حازم حاسم سريع .. فأما أن يفقه أولو الأمر هذه الحقيقة ويقدروها ، فيبادروا في سرعة إلى إجراء التغيير الصالح برأيهم وعلى أيديهم ، وفي ذلك السلامة والاستقرار ، ومازال في الوقت متسع للإصلاح ، وإما أن يظلوا في هذا الانصراف فتسبقهم الحوادث ، ويفلت من يدهم الزمام ، ولا يدري عاقبة ذلك إلا الله .
يا أولى الأمر في هذا البلد ..
ويا دولة رئيس الحكومة ..
ويا رجال الأزهر ...
ويا زعماء الأحزاب والهيئات والجماعات ...
ويا ذوى الغيرة على هذا الوطن الأسيف :