ومع هذا فإن الحكم النيابي في أعرق مواطنه لم يقم على هذه الحزبية المسرفة , فليس في إنجلترا إلا حزبان هما اللذان يتداولان فيها الأمر , وتكاد تكون حزبيتهما داخلية بحتة , وتجمعهما دائما المسائل القومية المهمة , فلا تجد لهذه الحزبية أثرا البتة , كما أن أمريكا ليس فيها إلا حزبان كذلك لا نسمع عنهما شيئا إلا في مواسم الانتخابات , أما فيما عدا هذا فلا حزبية ولا أحزاب , والبلاد التي تطورت في الحزبية وأسرفت في تكوين الأحزاب ذاقت وبال أمرها في الحرب والسلم على السواء , وفرنسا أوضح مثال لذلك.
وإذا كان الأمر كذلك , وكانت وحدة الأمة أساسا في النظام الاجتماعي الإسلامي ولا يأباه النظام النيابي فإن من الواجب أن نتحول سريعا إلى الوحدة بعد أن أهلكت الحزبية في مصر الحرث والنسل .
الأحزاب المصرية
لقد انعقد الإجماع على أن الأحزاب المصرية هي سيئة هذا الوطن الكبرى , وهي أساس الفساد الاجتماعي الذي نصطلي بناره الآن , وأنها ليست أحزابا حقيقية بالمعنى الذي تعرف به الأحزاب في أي بلد من بلاد الدنيا , فهي ليست أكثر من سلسلة انشقاقات أحدثتها خلافات شخصية بين نفر من أبناء هذه الأمة , اقتضت الظروف في يوم ما أن يتحدثوا باسمها وأن يطالبوا بحقوقها القومية , كما انعقد الإجماع على أن هذه الأحزاب لا برامج لها ولا مناهج , ولا خلاف بينها في شيء أبدا إلا في الشخصيات , وآية ذلك واضحة فيما تعلن من بيانات خارج الحكم وفيما تطلع به من خطب العرش داخل الحكم , وبما أن الأحزاب هي التي تقدم الشيوخ و النواب , وهي التي تسيّر دفة الحكم في الحياة النيابية فإن من البديهي ألا يستقيم أمر الحكم وهذا حال من يسيّرون دفته .