تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي غرب مصر وليبيا خمسة وعشرون مليوناً من المسلمين في تونس والجزائر ومراكش ... نكبوا بالاستعمار الفرنسي تحت اسم الحماية أو الفتح الظالم أو الاحتلال البغيض ، وجاهدوا عشرات السنين وبذلوا في ذلك الضحايا غالية من الحريات والدماء فامتلأت بهم السجون والمعتقلات وسالت بدمائهم الأباطح والأودية وشرد زعماؤهم وشبابهم المجاهد في كل مكان ، وحاول الاستعمار الغاشم أن ينال من دينهم بالتبشير ومن عروبتهم بالعجمة والتنصير ومن حريتهم بالضغط والقهر والجبروت ، فلم يفد ذلك كله شيئاً وثبت المجاهدون علي جهادهم كالرواسي الشامخات . وجاءت هذه الحرب الأخيرة وانهزمت فرنسا وانضمت للألمان وتنكرت لحلفائها الأقدمين واحتل الحلفاء إفريقيا الشمالية ، فوجدوا من أبناء هذه الأوطان أعظم المساعدة واشتركوا معهم اشتراكاً فعالياً في القتال في إفريقيا وفي إيطاليا وفي حملة فرنسا وثبتوا معهم في أعنف المواقع وفي أحرج الساعات ، وهل كان جيش فرنسا الحرة إلا هؤلاء الأبطال البواسل من أبناء المغرب الشهيد ، وقد اعترف بذلك المستر تشرشل وأثني علي بطولة هؤلاء المجاهدين أطيب الثناء ، وانتهت الحرب ولم تتورع فرنسا ـ وهي لم تنس بعد وقع أقدام المحتلين ـ عن أن تدك المدن والقرى بقذائف الطائرات ، وأن تقتل في الجزائر في ثورة واحدة أربعين ألفاً من المدنيين ، وأن تقضى علي خمس وأربعين قرية عامرة ، ولا ذنب لهؤلاء إلا أنهم أرادوا أن يحقق الحلفاء وعودهم فقاموا يطلبون الحرية والاستقلال وهما الحق الطبيعي لهم . وتريد فرنسا المناهرة في عيون الناس الرماد ، فتدعي أنها ثورة خبز وطعام وتزعم لنفسها حقوقاً موهومة إن بررتها غفلة العرب والمسلمين في الماضي فقد مضي ذلك الأوان ، وستتلاحق الثورات ويتنفس البركان ، و ها هي مراكش تشعل ناراً وجحيماً ، ولا يقل عنها صدر الجزائر وتونس لهباً وحميماً ، وليس علي هذه المشاعر يبني السلام أو يستقر الأمن والاطمئنان ، فنحن

رسائل الإمام حسن البنا · الصفحة ٢٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل الإمام حسن البناص ٢٨٣