د ـ أما العالمية :أو الإنسانية فهي هدفنا الأسمى وغايتنا العظمي وختام الحلقات في سلسلة الإصلاح . والدنيا صائرة إلى ذلك لا محالة فهذا التجمع في الأمم ، والتكتل في الأجناس والشعوب ، وتداخل الضعفاء بعضهم في بعض ليكتسبوا بهذا التداخل قوة ، وانضمام المتفرقين ليجدوا في هذا الانضمام أنس الوحدة , كل ذلك ممهد لسيادة الفكرة العالمية وحلولها محل الفكرة الشعوبية القومية التي آمن بها الناس من قبل ، وكان لا بد أن يؤمنوا هذا الإيمان لتتجمع الخلايا الأصلية ، ثم كان لا بد أن يتخلوا عنها لتتألف المجموعات الكبيرة ، ولتحقق بهذا التآلف الوحدة الأخيرة . وهي خطوات إن أبطأ بها الزمن فلا بد أن تكون ، وحسبنا أن نتخذ منها هدفاً ، وأن نضعها نصب أعيننا مثلاً ، وأن نقيم هذا البناء الإنساني لبنته وليس علينا أن يتم البناء ، فلكل أجل كتاب .
وإذا كان في الدنيا الآن دعوات كثيرة ونظم كثير يقوم معظمها على أساس العصبية القومية التي تستهوي قلوب الشعوب وتحرك عواطف الأمم ، فان هذه الدروس القاسية التي يتلقاها العالم من آثار هذه القوة الطاغية بأن يفنى الناس إلى الرشد ويعودوا إلى التعاون والإخاء .
ولقد رسم الإسلام للدنيا هذه السبيل فوحد العقيدة أولا، ثم وحد النظام والإعمال بعد ذلك ، وظهر هذا المعنى الساحر النيل في كل فروعه العملية .
فرب الناس واحد ، ومصدر الدين واحد ، والأنبياء جميعاً مقدسون معظمون ، والكتب السماوية كلها من عند الله ، والغاية المنشودة اجتماع القلوب , (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) (الشورى:13) , والقرآن عربي وهو أساس هذا الدين ،وركن الصلاة أفضل القربات إلى الله ، وتلك هي الوسيلة العملية إلى وحدة اللسان بعد وحدة الإيمان .