تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أحببت أن أتحدث إلى القراء عنها فيه.. فقد نشأت هذه الدعوة والناس في انصراف عن الفكرة الإسلامية وفى إعجاب بالفكرة الغربية المادية فأخذت طريقها في هدوء إلى قلوب الطبقة الأولى من الناس ، طبقة الجماهير المؤمنة السليمة العقائد والصدور، وظلت في نفوسهم أمينة عزيزة وعاطفة متوقدة كريمة وشعلة مشرقة منيرة ، على حين كانت جمهرة المفكرين وأهل الرأي والتوجيه يروجون للفكرة الأخرى ويهتفون بها ويدعون الناس إليها ويزينوها في الأسماع والأبصار والقلوب بمختلف صنوف التزيين والتحسين.

وشاء الله أن تقع الأحداث العنيفة (الحرب العالمية الثانية) التي هزت كل العقول والمشاعر والقلوب والأفكار، وأشعرت الإنسانية الحاجة الشديدة إلى إعادة النظر في مناهج الحياة وقواعد المدنية ودعائم التحضر ، وانطلقت الأصوات من كل مكان تهيئ لنظام جديد وعلاج جديد.

وصادف ذلك امتحان لدعوة الإخوان كشف عن جوهرها ولفت أنظار الناس إليها ، وجمع كثيراً من القلوب النافرة حولها ، وبذلك انتقلت الدعوة إلى القلوب المؤمنة والعقول المفكرة ، وأصبحت قاعدة مسلمّا بها بعد أن كانت عاطفة متحمسة ، ونظر إليها كثير من الناس على أنها مبادئ ممكنة التحقيق صالحه للتطبيق ، فلم تعد حلماً في الرؤوس أو وجداناً في النفوس فقط.

وكان طبيعيا أن تكثر الأسئلة عن مرامي الدعوة وكنهها وعن الطرق التي يسلكها أهلها والقائمون بها في علاج ما يحيط بتطبيق مبدئها وتعاليمها من مشاكل داخلية وخارجية ، ولم يعد يكفى في الجواب عن ذلك كلام مرتجل أو خطابة تثير المشاعر أو عبارات تؤثر في العواطف ، بل صار واجبا على أهل هذه الدعوة أن يصورها للناس تصويرا منطقيا دقيقا واضحا مبينا على أدق قواعد البحث العلمي ، وأن يرسموا أمام الناس الطرق العملية المنتجة التي أعدوها لتحقيق ما يريدون ، ولتذليل ما سيصادفون من عقبات لابد من وجودها في الطريق .

رسائل الإمام حسن البنا · الصفحة ٢٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل الإمام حسن البناص ٢٣٥