تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الإنجيل فإن أصحاب عيسى وحوارييه كانوا يعيشون في حالة اضطراب وتشتت بسبب الاضطهاد الواقع عليهم من الدولة الرومانية ، فلم يدوِّنوا الإنجيل كما سمعوه من عيسى عليه السلام ، إنما تناقلوا ما وعت ذاكرتهم منه سرّا وعلى خوف من عيون الدولة الرومانية . فلما بدئ بتدوينه بعد ثلاثين عاماً على الأقل من رفع عيسى عليه السلام ( ) ، كان الأصل قد فُقد ، وكانت الإضافات الدخيلة هي التي يتناقلها النصارى . ثم إن الأناجيل الموجودة الآن ليست هي نص الكتاب المنزل باعتراف أصحابها . إنما هي ذكريات شخصية كتبها كل مؤلف منهم على حدة وضمنها بعض الأقوال المنسوبة إلى المسيح .

أما القرآن فقد هيأ الله له ظروفاً مختلفة تماماً ، تمَّ بها الحفظ الذي قدره الله له منذ الأزل وهو في اللوح المحفوظ .

1- هيأ له أمة قوية الحافظة بصورة غير عادية . فقد كان العرب في الجاهلية يروون ألوفاً من أبيات الشعر بغير تدوين ، إنما يحفظونها في ذاكرتهم ويتداولون روايتها .

2- هيأ له سهولة في الحفظ : ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) [ القمر : 17 ] .

3- هيأ له أمة مستقرة آمنة ممكّنة في الأرض ، لديها الفرصة الكاملة للحفظ والتدوين ، فكان الحفّاظ يحفظون على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يتقنوا الحفظ ثم يدونوا ما يحفظون ويراجع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه .

4- وأخيراً هيأ له مراجعة من الملأ الأعلى . فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحفظ ما يوحى إليه ثم يراجعه على جبريل عليه السلام مرة كل سنة . وفي السنة الأخيرة راجع جبريل القرآن كله على رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين .

5- ثم إنه بعد تدوينه لم يعد هناك مجال لعبث عابث . بل إن الحفّاظ ظلوا خلال القرون يراجعون كل نسخة تكتب من المصحف مراجعة دقيقة . فلما أن صار المصحف يطبع طباعة صارت لجان من كبار الحفّاظ تراجع كا حرف منه قبل أن تأذن بطبعه .

ركائز الايمان · الصفحة ١٩٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ركائز الايمانص ١٩٥