الصناعة حاجتها من العمال، ينزحون إلى المدينة بعد أن يتحرروا من القيود، وينالوا " حق الانتقال " (1) .
ولم يكن عجيباً والحالة هذه أن يضعوا كل ثقلهم في إشعال الوقود الجاهز للاشتعال، الموجه ضد نظام الإقطاع، والذي يؤذن بانهياره إذا نجحت ثورة " الجماهير "!
ومع وضوح هذه الحقائق بالنسبة للثورة الفرنسية، ومصلحة اليهود في إشعالها، فإن بعض المفتونين " بالديمقراطية " عندنا - وهي النظام الذي انبثق عن الثورة - يستبعدون - أو لا يصدقون أصلاً - أن يكون لليهود مصلحة في ذلك النظام، الذي حرر العبيد - في تصورهم - بدافع الإنسانية البحتة، والذي منح الشعوب المستعبدة كرامة الإنسان!
وهؤلاء نقول لهم: إن الديمقراطية أعطت الشعوب بالفعل حقوقاً وضمانات لم تكن لهم من قبل، وإن هذه الحقوق والضمانات تحقق جانباً من الكرامة الإنسانية، وتعتبر من أفضل ما تشتمل عليه الجاهلية المعاصرة من نواحي الخير (2) .
ولكن نقول لهم مع ذلك إننا يجب أن نجعل بالنا إلى ثلاث حقائق في هذا الشأن:
الحقيقة الأولى: أن ما نالته الشعوب من حقوق وضمانات قد نالته بجهدها ودمائها وتضحياتها، لا بفضل اليهود!
والحقيقة الثانية: أنه لم يكن بدٌّ لليهود من أن يتركوا الشعوب تنال هذه الحقوق والضمانات - سواء استراحت نفوسهم إليها أم لم تسترح - في مقابل المكاسب الضخمة التي كسبوها من وراء تحطيم نفوذ رجال الدين وتحطيم الإقطاع مما يعد مكسب الشعوب إلى جانبها شيئاً تافهاً لا يذكر!
(1) لم يكن لعبيد الأرض حق الانتقال ولا حتى من الإقطاعية إلى الإقطاعية المجاورة لها إلا بإذن من السيد، وإذا انتقل بغير إذن السيد اعتبر عبداً آبقاً، وأعيد إلى سيده مكبلاً بالأغلال!
(2) قلنا في الفصل السابق إن الجاهليات لا تخلو من جوانب خيرة، ولكن هذا الخير الجزئي فيها لا ينفي عنها جاهليتها، ولا يحميها من الدمار.