تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأعلم أن هذا معلوم البطلان ببديهة العقل ، فإن الثلاثة لا تكون واحداً ، والواحد لا يكون ثلاثة ، ولا يرى في الدنيا مقالة أشد فساداً ، وأظهر بطلانا من مقالة النصارى .ويقول القرطبي : قوله : ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا : إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ ) أي أحد ثلاثة . وهذا قول فرق النصارى من الملكية والنسطورية واليعقوبية ، لأنهم يقولون : أب وابن وروح القدس ، إله واحد ، ولا يقولون ثلاثة آلهة وهو معنى مذهبهم ، وإنما يمتنعون من العبارة وهي لازمة لهم . وما كان هكذا صح أن يحكى بالعبارة اللازمة ، وذلك أنهم يقولون : أن الابن إله ، والأب إله ، وروح القدس إله ، فأكفرهم الله بقولهم هذا ، وقوله : ( وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِد ٌ) أي أن الإله لا يتعدد . وقوله تعالى : ( وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ ) أي يكفوا عن القول بالتثليث ليمسنهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة .

من العجيب أن المسيحيين مع إيمانهم بهذه العقيدة – رغم بطلانها – يقرون بأنها فوق طاقة العقل البشري ، وفوق إدراكه ، وأنه من الصعب عليهم أن يحاولوا فهم هذا الأمر بعقولهم القاصرة ، وأن كل ما يمكنهم إيضاحه حول كيفية وجود ذات الله في ثلاثة أقانيم وأن كلا منهم ممتاز عن الآخر في الاقنومية لا في الجوهر ، فهم جوهر واحد ، وطبيعة واحدة ، وإله واحد ، ولكل واحد منها صفات اللاهوت ...

وقد حاول علماؤهم وفلاسفتهم مراراً وتكراراً إيضاح ثالوث الوحدانية هذا فلم يفلحوا ، لأن ذلك فوق طاقة عقولهم ، وصرحوا بأنه سر من الأسرار الإلهية يستحيل فهمه وإدراكه ، ولا يجوز لهم أن يتفلسفوا في تفكيك هذا السر أو تحليله ، أو يلصقوا به أفكار من عندياتهم ، وكل من يحاول إدراك هذا السر الثالوثي فهو كمن يحاول أن يضع مياه المحيطات كلها في كفة . يقول الدكتور دونالد يماري :

رسالة إلى نصارى مصر · الصفحة ٩٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسالة إلى نصارى مصرص ٩٧