واعلم أنه سبحانه في كل موضع نزه نفسه عن الولد ، فذكر سبحانه أنه ملكا ومالكا لما في السماوات والأرض ، فقال في سورة مريم : ( إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً ) (مريم:93)
والمعنى : من كان مالكاً لكل السماوات والأرض ، ولكل ما فيهما كان مالكا لعيسى ولمريم – عليهما السلام – لأنهما كانا في السماوات والأرض ، وما كانا أعظم من غيرهما في الذات والصفات . وإذا كان مالكا لما هو أعظم منهما فيكون مالكا لهما من باب أولى . . . ثم قال ( وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً ) (النساء: من الآية171) . والمعنى أن الله سبحانه كاف في تدبير المخلوقات ، وفي حفظ المحدثات ، فلا حاجة معه إلى القول بإثبات إله آخر وهو إشارة إلى ما يذكره المتكلمون من أنه سبحانه لما كان عالما بجميع المعلومات ، قادرا على كل المقدورات ، كان كافيا في الإلهية ، ولو فرضانا إلها آخر معه لكان معطلا لا فائدة منه ، وذلك نقص ، والناقص لا يكون إلها .وبالجملة فلا نرى مذهبا في الدنيا أشد ركالة وبعداً عن العقل من مذهب النصارى .
وقال تعالى أيضا في إبطال عقيدة التثليث : ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (المائدة:73)( ثالث ثلاثة ) ، أي أحد ثلاثة آلهة ، أو واحد من ثلاثة آلهة ، والنصارى يقصدون الأب : الذات ، والابن : الكلمة ، والروح : الحياة وأثبتوا الذات والكلمة والحياة ، وقالوا : إن الكلمة التي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء بالخمر ، واختلاط الماء باللبن وزعموا : أن الأب إله ، والابن إله ، والروح إله ، والكل إله واحد .