ورحم الله علماءنا الأول فلقد كانوا غاية في الذكاء حينما كانوا يتفرسون فيمن أمامهم ليتعرفوا من خلال أحواله وقسمات وجهه ما يصبو إليه وما يقصده من سؤاله وفتواه، حتى يتحرزوا من إصدار ما قد يساء فهمه أو يساء استغلاله لصالح أصحاب الهوى وأرباب الأغراض الخبيثة، ولقد كان الإمام أحمد وغيره من الراسخين في العلم على هذا المستوى من الفطنة وصمدوا جميعاً في وجه العاتيات من المشاكل التي طرحت في عهودهم دون أن يؤخذ عليهم ما يمكن أن يستغل لصالح المتلاعبين بالدين على الرغم من شديد ما تعرضوا له من حكّامهم، وحسبنا هنا ما جاء عن إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل من قوله: "لو قال العالم تقية والجاهل يجهل فمتى يعرف الناس الحق"، وله ولمن سار على دربه من أئمة العلم في ذلك سلف، فإنه مما يروى في هذا الصدد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلغه أن رجلاً كان يُدعى صبيغ بن عسل وقد جاء يسأل عمر عن معنى (الذاريات)، فقال له عمر: من أنت قال: أنا عبد الله صبيغ، فقال: وأنا عبد الله عمر وضربه الضرب الشديد لما علم أن المقصد من سؤاله ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله لا الاسترشاد والاستفهام، على الرغم من أن سؤاله كان عن آية محكمة ليست من المتشابهات، وكان ابن عباس إذا ألح عليه رجل في مسألة من هذا الجنس يقول: ما أحوجك أن يصنع بك كما صنع عمر بصبيغ، وكذا فعل علي بن أبي طالب مع ابن الكواء لما سأله عن مثل ذلك لكن علياً كانت رعيت ملتوية عليه ولم يكن مطاعاً فيهم طاعة عمر حتى يؤدبه، لذا فقد كان واجباً على شيخنا أن يفطن لمكائد أعداء الإسلام حتى لا تستغل فتواه استغلالاً سيئاً على غرار ما حدث، وأن لا يسعى لتحيق مآربهم في النيل من الإسلام سيما وأنه يمثل أعلى سلطة دينية وأكبر مرجعية سنية على المستوى العالمي، كما كان على فضيلته أن يستغل لصالح فتواه بفرضية الحجاب، جوانب الديقراطية وحقوق الأقليات واحترام الحرية الشخصية وحرية التعبير
رسالة إلى مسلمات فرنسا · الصفحة ٤
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
رسالة إلى مسلمات فرنساص ٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي