الفرع الثاني والعشرون
إن قلت:- كيف نجمع بين حديث أبي ذر لما سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أول مسجدٍ وضع في الأرض أولاً؟ قال:- ((المسجد الحرام)) قال ثم أي, قال:- ((المسجد الأقصى)) قال:- كم كان بينهما؟ قال:- ((أربعون عاماً)) ومن المعلوم أن المسجد الحرام بناه إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام بنص القرآن, والمسجد الأقصى بناه داود وابنه سليمان وبينهما قرابة ألف سنة, فكيف ينص الحديث أن المدة إنما هي (أربعون عاماً) فقط؟ فهذا الحديث يكذبه العقل فماذا تقولون؟
والجواب:- أن يقال:- إن هذا الذي ثار في ذهنك إنما هو شيء وضعته أنت وإلا فالصواب المتقرر عند المؤرخين أن الذي بنى المسجد الأقصى هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام, وليس هما سليمان وداود عليهما السلام, وإنما الذي جدد بناءه هما سليمان وداود وبين بناء يعقوب للمسجد الأقصى وبناء جده للمسجد الحرام أربعون عاماً كما أخبر بذلك المعصوم - صلى الله عليه وسلم - فإنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى فالمؤسس الحقيقي للمسجد الأقصى هو يعقوب, والمجدد له هما داود وسليمان, فالظن الفاسد هو الذي أوجب هذا الاختلاف, فإن تنطع علينا متنطع وتشدق متشدق بعدم التسليم فقل له:- إن الحديث لم يقصد به السؤال عن البناء وإنما السؤال فيه عن الوضع ولو رجعت إلى نصه لوجدت فيه:- ((أي مسجد وضع في الأرض أول)) وليس السؤال عن أي مسجد بني في الأرض أول ومعلوم أن الله تعالى هو الذي يصطفي ويختار من بقاع الأرض مايشاء كما قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ (1)﴾ فهو الذي
(1) سورة القصص آية (68)