الفرع الثالث والأربعون
كيف نجمع بين قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ((لا يتمنين أحدكم الموت لضرٍ نزل به فإن كان لابد متمنياً فليقل:- اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي وتوفني ما كانت الوفاة خيراً لي)) "متفق عليه" وبين قوله تعالى عن مريم: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً﴾ (1) وبين قوله - صلى الله عليه وسلم - ((وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون))؟
والجواب أن يقال:- لا اختلاف في شيء من ذلك ولله الحمد والمنة وبيان ذلك أن يقال:- إن مريم رضي الله عنها وأرضاها إنما تمنت الموت للخوف على دينها أن تفتن فيه, فإن الناس إذا رأوا معها ولداً وليست بذات زوج فإنهم سيرمونها بالعظائم فخافت رضي الله عنها أن تفتن في دينها فتمنت الموت والمتقرر شرعاً جواز تمني الموت إذا خاف العبد أن يفتن في دينه وعلى ذلك الحديث الأخير أيضاً فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا أن يقبضه الله تعالى إذا أراد بعباده فتنة, فيقبضه إليه غير مفتون وبناءً عليه فيجوز للعبد أن يتمنى الموت إذا خاف الفتة في دينه, فإن الفتنة أكبر وأشد من القتل, وأما التمني الآخر فهو التمني بسبب الضر الدنيوي الذي نزل به, كموت قريبه أو فقرٍ مدقع أو خسارة في تجارة أو ديون مثقلة أو حلول أمراضٍ مزمنة ونحو ذلك فهذا لايجوَّز للعبد أن يتمنى الموت المطلق لأن حياة المؤمن خير فهو إما مذنب فيتوب وإما محسناً فيزداد في الإحسان وعلى هذا فلا يكون بين هذه النصوص أي وجه من أوجه الإشكال ولله الحمد والمنة وذلك بإعمال هذه القاعدة المباركة التي ينبغي لطالب العلم أن يهتم بها ويجعلها أصلاً من أصوله في سيرِه الفقهي والله أعلى وأعلم.
(1) سورة مريم آية (23)