تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

معجزة- الا بسبب، و الايقان بان لا فاعل الا الله، و ذلك الاصل من اكثر الاصول دليلاً من كتاب الله و اشدها ظهواً؛ مما يجعل ميزاناً يجب ان يوزن به كل ما ينسب الى رسول الله في التوكل من الاحاديث، فيقبل منها ما يوافقه و يؤول ما لا يوافقه بظاهره مما يحتمل التاويل، و يرد ما لا يأتي تاويله، ايقاناً بانه ليس من قول الرسول.

فما روى الشيخان عن ابن عباس مرفوعاً و مسلم من عمران بن حصين كذلك -في وصف سبعين الفاً يدخلون الجنة بغير حساب- من أنهم لا يرقون و لا يسترقون و لا يكتوون و لا يتطيرون، و على ربهم يتوكلون. هذا الذي يزعم ان التوكل بترك الاخذ بالاسباب فانه معارض لذلك الاصل بظاهره و باطنه؛ و معارض -كذلك- لما هو موافق لذلك الاصل من الاحاديث التي سبق ذكرها؛ مما يدل على انه ليس من حديث رسول الله، و قد تكلف العلماء في الجمع بينه و بين تلك الاحاديث، فجائوا بما لا يسمن و لا يغني من جوع: فقال بعضهم بكراهة الرقي و الكي من بين الادوية، زعماً منهم ايضاً انهما قادحان في التوكل دون غيرهما، و اجاب الجمهور باجوبة هي أوهن من بيت العنكبوت.

و أما الاحتكام الى ذلك الاصل القرآني، فلم أره الحد منهم؛ و ان ذلك لمؤسف حقاً، فأن كون المروي -غير المتواتر- قد روي بسند محكوم عليه بالصحة لا يستلزم كنه مما قد قاله رسول الله؛ و ذلك انه لا سبيل الى الايقان بأن كل رجال السند جامع بين العدالة و الضبط، و انما هو الظن؛ و الظن قد يصيب و قد يخطيء؛ فيكون حكمنا بأن الحديث صحيح محتملاً للخطأ؛ و يحتمل -كذلك- أن يخطيء بعض الرواة فينسب الى رسول الله ما لم يقله، و لو كان من اعدل العدولا و أضبط الضابطين. فلابد -في قبول المروي- من أن يلغي موافقاً لاصل من اصول الكتاب.

و لعمر الحق ان قبول مثل هذا الحديث لدليل على ان قولهم بان الحديث في الدرجة الثانية بعد كتاب الله قول غير مؤيد بالعمل؛ و ان الروايات هي القاضيات عندهم على كتاب الله! و الا فهل كون الحديث في الدرجة الثانية الا أن المرويات -لاحتمال الخطأ في نسبتها الى الرسول لا تعتبر الا مذكرات باصول الكتاب، حتى اذا تذكرت الاصول جعلت قاضية على الروايات؛ فقبل منها ما كان بياناً لشيء من تلك الاصول؛ ورد ما كان على خلاف ذلك؟! ان ثانوية الحديث انما هي في الاثبات لا في الحجية تترتب على الاثبات، كيف، و المبين من رسول الله المبين من كتاب الله بعينه ليس الا ... ؟!

2 - التصوير (صنعه و اتخاذه):

لقد صدق ابليس ظن على اكثر بني آدم اذا زين لهم في الارض و اغواهم؛ فدسوا انفسهم في ضد ما كانوا مفطورين عليه؛ فاشركوا بالله في الالوهية (أي العبودية و المستعانية).

رسالة في علوم الحديث · الصفحة ٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسالة في علوم الحديثص ٢٥