... وهذا أمر معروف شرعًا ، وسينفعنا في تقرير قاعدتنا الأصل : أعني قولنا : ( شرعية الأصل لا تستلزم شرعية الوصف ) ، وذلك لأن أكثر أهل البدع إذا أنكرت عليهم فإنهم يتذرعون لبدعهم بحجة أن مقاصدهم سليمة ، فيقال لهم : إن سلامة المقاصد ليست عذرًا في مخالفة الشرع ، بل الواجب متابعة الشرع باطنًا وظاهرًا ، وأضف إلى هذا أن المقاصد السليمة والنوايا الحسنة إنما ينتج عنها الأعمال الطيبة الموافقة للكتاب والسنة لا أنه يصدر عنها الأعمال القبيحة المضادة للشرع والمصادمة لأمر الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ، فهذه دعوى عرية عن البرهان ، بل المخالف للشرع قصده سيء في الحقيقة حتى وإن زخرف القول وأبدع في دغدغة العبارات ونمق في إخراج الاعتذارات ، إن هي إلا شنشنة نعرفها من أخزم وحثالة قول نسمعها دائمًا ممن ضل وأجرم ، فسلامة القصد لا ينتج عنه إلا حسن العمل ، وكل إناءٍ بما فيه ينضح .
... فيقال لمن يدعي سلامة القصد : لو كنت صادقًا في هذه الدعوى لحرصت على إحسان العمل ، فإن القصد الحسن له علامات :
... منها : الحرص التام على إيقاع العمل موافقًا للسنة .
... ومنها : سرعة قبول الحق بعد استماعه والتوثق منه .
... ومنها : عدم معاداة أهل الحق والداعين إليه والذابين عن حياضه .
... ومنها : تعظيم الحق وتقديمه على كل شيء .
... ومنها : أن يكون هواك تبعًا للدليل لا العكس .
... ومنها : التواضع وعدم المكابرة .
... ومنها : إحسان الظن في الناصحين وعدم نبزهم بالأوصاف القبيحة والأوصاف المسهجنة .
... ومنها : التراجع عن الرأي الأول المعتمد إذا كان مخالفًا للدليل وإن أنكر عليه من أنكر أو حاربه ممن حاربه أو عاداه من عاداه ، فالحق عنده آثر من كل شيء وأحب إليه من كل شيء .
... ومنها : عدم إيغار صدور العامة على أهل الحق .
... ومنها : سلامة الصدر .
... ومنها : توافق الباطن والظاهر ، لا كالمنافقين أصحاب المقاصد السيئة .
... وغير ذلك من العلامات .