هنا نجد تغيّرًا في موقف الإمام من الولاية والخلافة -إن صحت الروايات-، فبعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام نراه يطالب بها، وبعد وفاة عثمان نراه يرفضها رفضاً شديداً! وأظن السبب يكمن في تراكم خبرته طوال هذه الأعوام؛إذ إنه في البداية ظنّ أن التقوى والعلم والشجاعة والقرابة كافية لتسلم السلطة, ثم بعد عمله كمستشار خلال حكم أبي بكر وعمر وعثمانازدادت خبرته السياسية، وعلمَ أن قبول الناس للحاكم واستعدادهم لطاعته ضروري جداً لاستقرار الدولة، فما الفائدة من تنصيب أفضل الموجودين رئيسًا لقوم لا يُطيعونه؟!
هل كان علي يؤمن بالديمقراطية؟:
هنا نرى أهمية الاستشارة التي كان عمر يُكثر منها أثناء خلافته, فعندما يستشير الحاكم علية القوم في أمور الدولة، فإن أخطاءه ستقل، إضافة إلى إعطاء هؤلاء انطباعاً بالأهمية, وأنهم شركاء في الحكم, وليسوا مجرد أتباع.
ولكن علي اعتاد على إعطاء المشورة لغيره، وليس على استشارة غيره، وهذا ما لا يقبله الناس من الحاكم, والله أعلم.
أظن أنه لهذا رفض الخلافة بعد مقتل عثمان، قائلاً:"اتركوني، فأنا كأحدكم، بل أنا أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم،، واعلموا أني إن أجبتكم -قبلتُ بالخلافة- ركبتُ بكم ما أعلم -آخذ برأيي- ولم أصغِ إلى قول القائل وعتب العاتب -أرفض أي اعتراض- وأنا لكم وزيراً –مستشاراً- خير لكم مني أميراً"[شرح النهج (1/169),(7/33)].
وقال: "لا حاجة لي في أمركم، فمن اخترتُم رَضيتُ به"[البحار (32/ 7)].
وقال: "دعوني والتمسوا غيري، فإنا مستقبلون أمراً له وجوه وله ألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول".
[البحار (32/ 8)].
عندما أصبح علي خليفة:
قال لقضاته وولاته:"اقضوا كما كنتم تقضون [الخلاف للطوسي (4/77)، الفصول المختارة للمفيد (ص:78)].