تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سوى الصراخ: يا الله لماذا تركتني" (1)، وفي هذا العصر برّأت الكنيسة اليهود من دم المسيح، لاقتناعها ضمناً بأن المصلوب لم يكن المسيح، وإلا فهل يعقل أن تُفرِّط الكنيسة بدم المسيح هذا التفريط مهما كانت الأسباب؟!. ونتساءل مع الدكتور سامي عصاصة: "هل استغرق اكتشاف هذا الخطأ ألفي عام قبل أن يجري تصحيحه؟! " (2).

ومثلما تفرّد القرآن الكريم بالحديث عن المسيح قبل مولده، تفرد أيضاً بالحديث عنه يوم القيامة يوم يقوم الأشهاد. ففي موقف مستقبلي مهيب، يرسم القرآن الكريم مشهداً جليلاً يصور فيه موقف المسيح مع إخوانه الأنبياء بين يدي الله تعالى يوم الحساب: ﴿وَإِذْ قَالَ اللّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ، مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ (3).

إنه استجوابٌ هائل في موقف مرهوب، وجوابٌ من المسيح كله أدب مع الله، ((إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ)) فهو لم يقل في جوابه "لا لم أقله"! وهذا من أبلغ الأدب مع الله تعالى، وحقاً إن التاريخ يغدو قصة فارغة إذا خلا من أدب الأنبياء، ومن سير الأنبياء، ومن تعاليم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

تاريخ المسلم:

وثمة كلمة مسلمة نقولها في المسيح عليه السلام، إن المسلم لا يكون مسلماً أبداً إن لم يؤمن بأنبياء الله كلهم كإيمانه بمحمد عليه السلام، فإذا كفر بواحد منهم، أو تناوله بكلمة سوء واحدة، فقد انسلخ عن الإسلام، فمن لا يؤمن برسول من الرسل الكرام هو كمن لا يؤمن به كلهم، وإن تاريخ المسلم هو تاريخ الرسالات السماوية كلها، فهو يؤمن بإبراهيم وموسى وعيسى، وبالتوراة والإنجيل كإيمانه بمحمد وبالقرآن سواء بسواء، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ (4).

والمسلم يسير أبداً في ركب الأنبياء عليهم السلام، فهو يترسَّم خُطاهم، ويعتبر تاريخَهم تاريخَه، ونحن المسلمين، مذ كنا صغاراً تفتحت قلوبنا على آدم في جنته، وعلى نوح في سفينته، وعلى إبراهيم يحطم الأصنام بساعديه، وعلى موسى إذ يشق البحر بعصاه، وعلى عيسى بن مريم إذ أتت به قومها تحمله فكلمهم في المهد، وعلى محمد في غاره يردّد قول الأمين جبريل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .. نحن المسلمين: "إذا حاربنا اليهود تحت راية موسى، حاربناهم تحت راية موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام" (5)، ونحن المسلمين لا نعيش – بحمد الله – أية عقيدة تجاه أية رسالة سماوية أو أي رسول، ونحن كما قال نبينا محمد، "أولى الناس بعيسى بن مريم" إذ يسكن حبه وحب أمه الطاهرة في أعماقنا، وهذا الحب لا يوازيه إلا محبتنا لسائر الأنبياء الكرام.

هذه هي نظرتنا إلى الأنبياء فهل سينظر أتباعهم إلى نبينا النظرة ذاتها؟ يقول م. كويت "قد شب أغلب الغربيين على كراهية الإسلام، بينما شب المسلمون على حب المسيح والإنجيل المنزل عليه" (6). ويقول البريطاني أرسكين تشايلدرز: "إن العلاقة بين المسلمين وغيرهم لم

(1) إنجيل برنابا (216/ 9 - 79).

(2) (هل اليهودية التلمودية دين؟!) للدكتور سامي عصاصة ص (211)، والتبرئة صدرت في 24/ 11/1964غ عن المجمع المسكوني الفاتيكاني.

(3) سورة المائدة (108 - 119).

(4) قرآن كريم، سورة البقرة (285).

(5) د. يوسف القرضاوي.

(6) عن (مقدمات العلوم والمناهج) العلامة أنور الجندي (8/ 166).

ربحت محمد ولم أخسر المسيح · الصفحة ٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ربحت محمد ولم أخسر المسيحص ٢٣