الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
محاربة الوهم للعلم
أو تأثير السعاية في الدولة العثمانية
زار القطر المصري في ربيع هذا العام الحاج محيي الدين بك حمادة فنزل
ضيفا عند صهره الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية، ثم عند ابن أخيه خليل
باشا حمادة في الإسكندرية، وكان الغرض من هذه الزيارة صلة الرحم والاستراحة
من عناء العمل، ولما علم بقرب عودته إلى بيروت السعاة المحالون الذين يطلق
عليهم لفظ (الجواسيس) في عرف هذا العصر كتبوا إلى (المابين الهمايوني)
يشون به، وقد شاع أن مما كتبوه أن هذا الرجل الجليل البعيد عن السياسة بجميع
معانيها يحمل فتوى من صهره بوجوب خلع السلطان، ويحمل كتبا ضارة يريد
توزيعها في سوريا وقد بلغنا أنه كتب من (المابين) إلى أمير مصر سؤال عن
الحاج محيي الدين وأين نزل وماذا يفعل؟ وأن الأمير ذكر ذلك لخليل باشا حمادة
وأخبره بأنه أجاب (المابين) أحسن جواب وأثنى على الحاج محي الدين ولكن ذلك
لم يغن شيئا.
ولما عاد الحاج محيي الدين إلى بيروت، وكان ذلك بعد سفر الأمير إلى الآستانة
قبض عليه عند نزوله إلى البلد وأخذ إلى دار الحكومة وفتشت أمتعته وجميع ما
يحمله فلم يروا فيها شيئا يثير عليه شبه السياسة إلا تفسير جزء (عم يتساءلون)
وأسماء جماعة من فقراء بيروت بإزائها أرقام. فأما التفسير فقد أرسل إلى لجنة
التفتيش بديوان المعارف فقرئ فقيل: إن فيه عبارة ضارة وهي تفسير لفظ الزبانية
في سورة (العلق) بالشرط وأعوان الولاة، على أن هذا التفسير يوجد في جميع كتب
اللغة وكتب التفسير، فلا يبعد أن يمنع دخولها إلى الممالك المحروسة إذا دامت الحال
على ما هي عليه الآن، وأما أسماء الفقراء وما جمع باسمهم من الصدقات فلعل
الحكومة المظفرة المنصورة ظنت أن الغرض منها تأليف حزب للقيام بعمل سياسي
ثم علمت أن الحاج محيي الدين رجل معروف بالبر وعمل الخير يصمد إليه الفقراء
والمعوزون المتعففون وأن ثروته لا تفي بإسعاف كل من يقصد إليه فاغتنم فرصة
وجوده في قطر إسلامي غني للاستعانة بكرام أهله على ما يطلب منه لا سيما لعيال
بعض العساكر الذين يخشى أن يلجئهم العوز إلى الثورة فعمله هذا خدمة جليلة لدولته
ولوطنه. على أنه لولا تداخل سفارة إنكلترا في الآستانة في أمر هذا الرجل لظل
ضيف الحكومة العادلة ولكنه أفرج عنه بأمر السلطان.
الحاج محيي الدين حمادة رجل وجيه عند جميع طبقات الناس من جميع الملل
في بيروت وغيرها، ومحترم عند الحكومة ومشهور بالاستقامة والتقوى والإخلاص
للدولة وقد ناهز الثمانين أو زاد عليها ولم يزن بريبة سياسية ولا غير سياسية، فسماع
حكومة الآستانة لقول مفسد دنيء فيه، ومعاملتها إياه بمثل تلك المعاملة قد نفخ
الرعب في قلوب أهل ولاية بيروت من الرجا إلى الرجا؛ لأن سماع الوشاية في
مثل هذا الرجل ممن لا قيمة لهم يقتضي أن يسمع مثلها في كل أحد وما من أحد إلا
وله عدو أو أعداء لا يأمن أن ينتقموا منه بورقة يكتبونها. وإذا كان القبض على
الحاج محي الدين حمادة قد أظهر فضله وشرفه باهتمام الناس بأمره وإقبال وجهاء
جميع الطوائف على زيارته وتداخل سفارة إنكلترا بطلب الإفراج عنه فغيره لا
يرجو مثل هذه العناية والحفاوة، وما كل الناس كأهل بيروت في الجرأة والإقدام.
حمل هذا الرعب بعض أهل الحذر في بيروت وطرابلس وصيدا وغيرها
من البلاد على إخفاء كتبهم أو على إحراقها بالنار وما عتم أن ظهر أن الحذر كان
غيدرا (الغيدار هو من يظن سواء فيصيب) فإن الوشايات كثرت وأنشأت الحكومة
تدمرعلى بيوت الناس (دمر دخل بدون استئذان) وتأخذ جميع ما فيها من الكتب
والأوراق إلى دار العدل والإنصاف وتقبض على من وقعت عليه الشبهة من أهلها
وتحبسه؛ لترى ما يستحق من العقوبة على اقتناء الكتب التي تسميها ضارة أو
ممنوعة، ومن يعرف ما يسمونه ضارا أو ممنوعا ومعرفته متوقفة على تعريفهم به،
وإعلانه للناس وهم يسرونه ويكتمونه إلا عند العقوبة.
بدءوا في طرابلس الشام ببيت الشيخ عبد الرحمن الكمالي فدمروا عليه في
داره وأخذوا كتبه وأوراقه وقبضوا على ولد له من طلاب العلم وحبسوه في دار
الحكومة وفعلوا هذا بآخرين. وكان من مثار الريب بل دلائل سوء القصد عند هذه
الحكومة أن وجدت في الكتب نسختين من صحيح البخاري فاستنبط من ذلك أن
صاحب الكتب قد أخذ على نفسه أن يوزع نسخ البخاري على الناس وذلك لا يكون
إلا بقصد سيئ يضر بالسياسة ويخشى منه الخطر على حكومة العدل والعلم والدين.
ووجدوا قصيدة في مدح رجل يسمى منصورا فسئل من عنده القصيدة عن منصور
الممدوح أين هو؟ فقال: في جبل لبنان، قيل: كذبت، بل أنت تعني أميرا في
مصر.
وقد أرسلت حكومة طرابلس وكيل المدعي العمومي (رئيس النيابة)
والمستنطق وبعض شرطتها إلى القلمون فدخلوا دارنا وأخذوا ما فيها من الكتب
والأوراق وقبضوا على شقيقنا السيد إبراهيم أدهم فأودعوه مع الكتب في دار
الحكومة مهد العدل والأمن، وإننا ننتظر ما يكون بعد ذلك من حسن معاملتها لآل
بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ودخلوا دار علي كسن من القلمون؛ لأن
له ولدا مجاورا في الأزهر، ولا أدري ماذا وجدوا فيها ولعلهم لم يجدوا شيئا، وقد
وقع مثل ذلك في بيروت حتى أن حكومتها فتشت مطبعة الإقبال ومكتبة الإنسي
وأخذت ما فيهما من الكتب للبحث فيها.
لعل من يعتقد أن آفة السلطة المطلقة العلم، يظن أن خوف الناس ورعبهم من
الكتب وتوقعهم العقاب الشديد على اقتنائها آية نجاح هذه السلطة، وقد يكون هذا
الظن ضد الحقيقة فإن مقاومة العلم وإهانة أهله ربما كانتا سببا في إيقاظ الأذهان
النائمة وإشهاد الأبصار المغضية ما لم تكن تشاهده من مضرات هذه الحكومة بل قد
تكون سببا لإحفاظ قلوب جميع طبقات الأمة على هذه الحكومة، ومتى حقدت الأمة فلا
يلبث مرجل حقدها أن ينفجر بحوادث الزمان مهما كانت صاغرة مستسلمة وجاهلة
بطرق تغيير الحكومات وقلب الدول. فإن لم تكن لدى حكومتنا عبرة بالأمة الروسية
التي يكاد تعظيمها للقيصر يكون عبادة حقيقية فلتعتبر بالأمة المصرية -التي هي أشد
الأمم استسلاما للحكام- كيف ثارت في وجه توفيق باشا الذي كان ألين أمراء هذا
البيت عريكة وأبعدهم عن القسوة والطغيان.
إننا نعلم علم اليقين أن أهل سوريا لا يتفكرون في مسألة الجنسية المشئومة ولا
يخطر على بالهم أن يسعوا للاستقلال ويجعلوا حكامهم منهم وأبعد من هذا عن
أذهانهم التفكر في الاتصال بسائر البلاد العربية على أن يكونوا جزءا من مملكة
عربية مستقلة وإنما أقصى أمانيهم أن تكون حكومتهم العثمانية عادلة معينة لهم على
العلم والترقي، ولكن لا يوجد أحد من البشر يضطهد على فكره واعتقاده ويسلب
الأمن فلا يدري متى يهجم عليه في بيته ويروع به أهله وعياله، ثم يكون راضيا
من المضطهدين لا يحب زلزالهم ولا يتمنى زوالهم ولا يسعى في ذلك متى وجد
طريقا للسعي.
إن هذا الهجوم على البيوت ومؤاخذة الناس على ذنوب لم تكن ذنوبا إلا
باختراع مخيلات الظالمين ككون الرجل يملك من الكتاب الفلاني نسختين وكونه
يقتني الكتاب الفلاني، وأن سماع الحكام لأقوال الجواسيس والسعاة في مثل ذلك،
كل ذلك يعد من سوالب الأمن، فكل أحد يتوقع في كل ساعة من ليل أو نهار أن
يفاجأ بما فوجئ به سواه.
ارفقوا أيها الحكام المسلطون بهؤلاء الضعفاء الذين مكنكم من ظلمهم تفرقهم
وما فرقهم إلا عدم وجود ألم شديد عام يجمعهم، فربما كان ظلمكم إياهم هو الجامع
لكلمتهم عليكم. ارحموا فإن الرحمة خير لكم على كل حال، وقد تكون القسوة نافعة
لهم ضارة بكم ولو بعد حين. لا تعلموا الناس ما لم يكونوا يعلمون ولا تذكروهم بما
لم يكونوا يذكرون، واتقوا الله إن كنتم به تؤمنون.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>