أ- حكم الإفتاء في الأصل أنه واجب؛ فلا بد للناس من علماء يسألونهم، ومفتين يستفتونهم. ويكون الإفتاء واجبًا: إذا كان المفتي أهلاً للإفتاء، وكانت الحاجة قائمة، ولم يوجد مفتٍ سواه، فيلزمه والحالة كذلك فتوى من استفتاه، لقوله تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ]. وقوله تعالى: [وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ]. وقال صلى الله عليه وسلم (من سئل من علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة). (1)
ب- وقد يكون الإفتاء مستحبًا إذا كان المفتي أهلاً، وكان في البلد غيره، ولم تكن هنالك حاجة قائمة.
ج- وقد يحرم على المفتي الإفتاء؛ وذلك إذا لم يكن عالمًا بالحكم، لئلا يدخل تحت قوله تعالى: [قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ] فجعل الله القول عليه بلا علم من المحرمات التي لا تباح بحال؛ ولهذا حصر التحريم فيها بصيغة الحصر.
(1) أخرجه أبو داود في "سننه" كِتَابٌ: الْعِلْمُ. بَابٌ: كَرَاهِيَةُ مَنْعِ الْعِلْمِ. رقم 3658 والترمذي في "سننه" أَبْوَابٌ: الْعِلْمُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَابٌ: مَا جَاءَ فِي كِتْمَانِ الْعِلْمِ رقم 2649 وابن ماجه في "سننه" المقدمة بَابٌ: مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ رقم 261
وقد حسنه أبو داود والترمذي، وبمعناه قال المنذري في الترغيب (1/ 51): إسناده جيد.