إن السياسيين وأهل الأنانية المتوحشة في أوروبا الذين يرجفون بخطر الجامعة الإسلامية لا يرون أن من الخطر على المدنية والعبث بنظام الألفة الإنسانية والوحدة البشرية اضطهاد المسلمين الذين تحت كنفهم، وإرهاقهم بضروب من الإزلال والإعنات قصد القضاء عليهم واستئصال شأفتهم باسم السياسة، ويرون أن من الخطر على المدنية وجود جامعة إسلامية تعامل باسم الدين مخالفيهم في السياسة والدين معاملة الأكفاء في الإنسانية، والعشراء في الوطنية كما سبق بيانه، أفليس في هذا ما يدعو إلى الحكم على رجوع الإنسانية القهقرى وتقدم المدنية إلى الوراء.
حقا إن هذه «السياسة» المطلقة من قيود الإنسانية والوجدان ومن قيود الحق والعدل تشبه في تشكلها حكايات الغيلان الواردة في أساطير الأولين، وتماثل إله الشر عند اليونانيين، فالسياسيون إذا ساقوا الشعوب إلى الدمار وقتلوهم بالسيف والنار قالوا إنها السياسة، وإذا وطئوا بأقدامهم الحقوق، وامتهنوا الشرائع اتهموا السياسة، وإذا أخطئوا خطأ يجلب على بلادهم الدمار، وعلى دولتهم العار تدرعوا بالسياسة، وبالجملة فحيثما سنحت لهم سانحة قدموا أمامهم السياسة، فالسياسة عندهم «كالجسم المرن» قابلة للتشكل بأشكال الأهواء التي تنبعث في نفوسهم، وتدعوهم إليها أطماعهم، ولهذا لما استباحوا لجامعتهم الأوروبية أو المسيحية أو السياسية اضطهاد الجامعة الإسلامية في ملكها ودينها وأهلها، ورأوا أن يأتوا لهذا العهد على البقية الباقية منها، أخذوا يصيحون بخطر الجامعة الإسلامية تمهيدا لمقاصدهم السيئة، وتكفيرا عن إجرامهم إلى المسلمين أمام العقلاء وأنصار العدل والفضيلة من أهل البلاد الأوروبية، ولسوف يعلمون أنهم مخطئون. (2) أوروبا والجامعة الإسلامية
قبل أن نأتي على تاريخ مناهضة أوروبا للجامعة الإسلامية، أو بعبارة أصح على أسباب توجه الأفكار فيها إلى تدويخ الممالك الإسلامية نريد الإشارة إلى السبب الذي يدعو الساسة الأوروبيين في هذا العصر إلى التمويه وبسط المقدمات الواهية، من نحو قولهم بخطر الجامعة الإسلامية والتعصب الإسلامي وغير ذلك عندما يجمع أمرهم على اكتساح جزء من الممالك الإسلامية وسلب استقلال شعب من الشعوب، مع أن المعروف عندهم أن الحق مع القوة، والمسلمون حيثما كانوا ضعاف لا تحتاج غارة الدول على أي فريق منهم إلى بسط المقدمات وانتحال الأسباب فأقول:
اعلم أن الأمم المسيحية لما كانت مسوقة في أوروبا بيدي الكهنة والملوك مأخوذة الإرادة بقوة هاتين الفئتين، كانت كعامة أهل المشرق مسيرة غير مخيرة ليس لها من الأمر إلا أن تدعى إلى عمل فتجيب، وتساق إلى حرب فتسير، لا تبحث عن الباعث على ذلك ولا تسأل عن المصير، ولما قدت هذه الأمم قيود تلك السلطة وتمتعت بالحرية، وشاركت الحكام بالرأي أصبح الحكام بيد الشعب لا الشعب بيد الحكام، وصار الساسة وأرباب الحل والعقد محاسبين على كل عمل يأتونه، وغالى بعض الأحزاب المغرقين في الحرية، فقالوا بوجوب اشتراك البشر على اختلاف الطبقات في حقوق المساواة العامة وسد سبل المطامع دون زعماء السياسة والمال، وقال بعضهم بوجوب نزع السلاح من الدول أي تجريدها عن كل قوة تدعو إلى النزاع والخصام وتعدي الأقوام على الأقوام إلى غير ذلك من الأحزاب ذات الآراء المعروفة لهذا العهد في إصلاح الهيئة الاجتماعية، يضاف إلى ذلك كثير من الفلاسفة ومحبي خير الإنسانية وأهل الفضيلة من الطبقة الراقية في العقل والوجدان الموجودين في كل مملكة من ممالك أوروبا، كل هؤلاء ينظر إليهم رجال الحكومات الأوروبية بعين الحذر عند الإتيان بكل عمل كبير في السياسة الخارجية أو الداخلية؛ لأنهم قادة الأفكار ومالكوا أزمة عامة الشعب، وهذا ما يدعو الحكومات أحيانا إلى التمويه ومغالطة الشعوب لا سيما في مسائل الشرق البعيدة عن أنظار القوم؛ لكي يمهدوا لأنفسهم سبيل المعذرة في غارتهم الشعواء على الأمم الضعيفة بغير ما سبب إلا الأنانية المتوحشة وحب التوسع في الفتح، وهم يستخدمون الجرائد في أكثر الأحيان لنشر بهتانهم وترويج مقاصدهم؛ لأن صوتها مسموع عند عامة الشعب وخاصته، ومن هذا القبيل صيحتهم القائمة اليوم في الجامعة الإسلامية والاتحاد الإسلامي، ونحو ذلك من الأقوال المفتراة التي تجسم للعالم الأوروبي المسلمين في صورة تستوجب الذعر وتستدعي الحيطة على مصالح الأمم الأوروبية التجارية المنتشرة في أنحاء الشرق، والتجارة روح تلك الأمم وعماد سعادتها وغناها وسبب مجدها وقوتها، وإنما تحاط مصالحهم التجارية بالحكومات، فحينما يطرق مسامعهم أمثال تلك الصيحة يبعثهم حب المصلحة والحرص على المنفعة إلى التسليم بما تقضي به حكوماتهم من القضاء الجائر على المسلمين بالخصوص والشرقيين بالعموم.