تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومما جاء في الأمر الثاني أي في الرابطة الإنسانية قوله تعالى

يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ، وفي الحديث: «لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى».

1

وأنت ترى من هذا البيان أن الإسلام له رابطتان؛ رابطة العواطف التي يشترك بها كل أرباب دين، ورابطة التعاون والإخاء التي يدعو إليها بالفعل، إلا أنه بين معنى هذا التعاون في أنه على الخير دون الشر، وعلى البر بالناس دون العدوان عليهم، لكي يكون ارتباطهم بجامعة الإخاء الديني واجتماعهم عليه غير مقصود به العدوان؛ بل المحاسنة والإحسان وصريح قوله بالاجتماع وعدم التفرق محمول على ما تستدعيه حالة الاجتماع، من لزوم حفظ البيضة وكف الأيدي العادية عن المجتمع، وهذا ضروري للمجتمعات كما أشرنا إليه في التمهيد.

ثم لكي لا تكون جامعة الدين سببا للعدوان مع الآخرين؛ بل وسيلة إلى التدرج في مدارج الإنسانية في أعم مظاهرها وهي المساواة العامة بين أفراد البشر وأقوامهم فيما تقتضيه حقوق الإنسان على الإنسان من الكرامة وحسن الجوار وتبادل المنافع، والأعمال التي جعلت الإنسان مدنيا بالطبع، أي محتاجا إلى التعاون مفتقرا بعضه إلى بعض، قال الله تعالى إرشادا للمؤمنين إلى ذلك

يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى

الآية.

هذه هي الوحدة الدينية التي يدعو إليها الإسلام، أفلا يرى المنصفون من كل قبيل أن الجامعة الإسلامية التي يوهم ساسة الغرب العالم المسيحي بخطرها على المدنية إذا اصطبغت بصبغة الدين هي خير للمدنية من ألا تصطبغ بهذه الصبغة،

2

وأن فوضى العقول عند الطوائف الإسلامية تأتي بما هو شر على المدنية مع تنكر نفوس المسلمين لهذا العهد؛ لما تأتي به دول أوروبا لمضادتهم ومضادة دولهم من أساليب المكر والخديعة؛ توصلا لامتهان حقوقهم وسلب استقلالهم ووطء بساط ملكهم حيثما كان.

اللهم إن المسلمين ما قذف بهم في لج الحيرة، ووقف بهم عن السير مع الأمم الراقية في سبيل المدنية الصحيحة، وكشف ما بينهم وبين الأمم المتمدنة، فرموهم بكل نقيصة ونالوهم بكل سوء إلا انفصام عروة وحدتهم الدينية والخروج عن قانونها الجامع الذي يرمي إلى غرض الاجتماع الصحيح والمدنية الفاضلة، ويريد الشعوب على توحيد الكلمة لضرورة القيام على شئون الحياة المدنية، وإنما يتحقق معنى الحياة في قوم إذا أعزوا جانبهم، وذادوا عن حوضهم، وكانوا يدا على من ناوأهم وأقسطوا في المعاملة إلى من عداهم، وهذا ما يريده الإسلام.

من الظلم أن يمثل ساسة المغرب الجامعة الإسلامية بصبغتها الدينية في صورة معكوسة ينكرها الإسلام ويأباها العدل والتاريخ ولا تنطبق على نص من نصوص الدين، كما رأيت وحسبك من الدين والتاريخ دليلا على أن الإسلام لا يحض أهله على الجامعة إلا ليكونوا يدا على من ناوأهم، وأن يقسطوا إلى من سواهم وإن افترق عنهم في الدين ما لم يبادئهم بالعدوان، ويرد بهم السوء، أن بعض القرشيين من المشركين كانوا يزورون بعض المهاجرين من ذوي قرابتهم في المدينة، فلا يقبلون عليهم ولا يحسنون إليهم؛ لما عرفت به قريش من الشدة على المسلمين والإصرار على الشرك، فنزلت في تنبيههم إلى أن الدين لا يمنع من الإحسان إلى غير أهله، ما داموا غير مناوئي المسلمين، هذه الآية:

لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين .

وهذا التسامح الذي عرف به الإسلام ونبه عليه القرآن هو الذي سد كل منفذ من منافذ الأغراض السياسية التي تفسد نظام الاجتماع، وتفرق وحدة الإنسانية، وتلقي العداوة والبغضاء بين بني الإنسان، فلم يستطع زعماء السياسة في الدول الإسلامية جمع الشعوب العائشة في البسيط الإسلامي على كلمة الإسلام بقوة الإكراه، ولم يسعهم أن يعاملوا مخالفيهم في الدين بضروب من العنت تلجئهم ولو إلى الهجرة والجلاء عن بلاد بسط عليها الإسلام جناح سلطانه، وآخر من نعهد أنه حاول ذلك من ملوك المسلمين السلطان سليمان العثماني، فإنه لما رأى شغب المسيحيين في ولاياته الأوروبية وتوالي خروجهم عن الطاعة، وعلم أن بقاءهم على النصرانية خطر على تلك الولايات استفتى علماء عصره في إكراههم على الإسلام، فأبوا أن يفتوه بذلك، وكان ما توقعه ذلك السلطان من الخطر على تلك البلاد فضلا عما لاقته الدولة العثمانية من النصب والتعب في سياسة أهلها، ولم تزل تلاقيه فيما بقي منها في حوزتها إلى الآن.

الجامعة الإسلامية وأوربا · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الجامعة الإسلامية وأورباص ٤