تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

العلم هو رسول السلام في هذا العصر، والمشرق على القلوب، ونرى الشرقيين عامة قد تنبهوا إليه وأخذوا بالحظ الوافر منه وإن تفاوتوا في النسبة بين السابق واللاحق والمبتدئ والمتوسط، وما دامت السيادة مؤكدة في المستقبل للعلم فلنتلقاها من الآن بصدر رحيب ولنمهد لها السبيل الذي لا عوج فيه، وخير الذرائع إلى ذلك أن يسمع إخواننا من أهل الملل الأخر نصيحتنا التي أسمعناها للمسلمين بنبذ التعصب وإزالة أسباب البغضاء والتنافر التي بينهم وبين المسلمين، وأن يحفظوا حق الجوار والسكن والجنسية للمسلمين حيثما جمعهم وإياهم وطن واحد، وأن يمهدوا بذلك للشرق طريق الدخول في الديمقراطية التي يسير إليها العالم بحكم الحاجة، وأن يعلموا أن الشرقي مهما كان دينه لا يكون في عوائده وأخلاقه ومعيشته وحكومته غربيا قط، ولا الغربي يقبل أن يكون الشرقي غربيا قط؛ إذ إن الحياة السياسية في أوروبا قد صارت أو كادت تصير بمعزل عن الاعتقاد، فالغربي إذا حكم في الشرق مسيحيا مثلا لا ينظر إلى ما بينهما من المشاركة في الاعتقاد، بل ينظر إلى المصلحة، وهذا الغرب أصبح لهذا العهد يحكم القسم الأكبر من آسيا وإفريقيا، فهل صير المحكومين منه غربيين، أي أعطاهم من الحقوق ما له وجعل عليهم منها ما عليه؟ كلا، بل هو يعتبرهم أحط منه منزلة وأبعد عنه مشاكلة؛ لذا ترى القانون الأساسي لكل دولة أوروبية لا يشمل سكان ممالكها في آسيا وإفريقيا، بل اختص هؤلاء بحكم مخصوص لا يمتاز عن حكم المالك في المملوك مع أن الشرقيين سواء في الحقوق عند أية حكومة شرقية مهما اختلفوا في الأديان، فالمسيحي في حكومة إسلامية له ما للمسلم وعليه ما عليه، والمسلم في الصين في نظر حكومتها الوثنية كالبوذي لا فرق بينهما في المعاملة؛ إذن فالشرقي سيد نفسه ما دام سيدا في بلاده، فليعتبر بهذا إخواننا الذين يخالفونا في الاعتقاد من أي نحلة كانوا، وليتاكتفوا مع المسلمين على المضي في سبيل العلم والترقي والديمقراطية الصحيحة التي يسير إليها الشرق كما سار الغرب، وليحققوا بذلك آمال الشرق في بنيه وخير الأعمال ما سبقته العزيمة الصادقة وكانت مطية صاحبه الإخلاص.

كلمتنا مع ساسة أوروبا

بقي علينا أن نقول كلمة لساسة أوروبا وقادة الأمور فيها لعلها تصادف منهم قلوبا واعية تنصر الحق ولو يوما، والإنسان كما أنه ليس بخير محض، فهو ليس بشر محض، بل هو قابل للأمرين، وربما كان إلى الخير أقرب منه إلى الشر.

يعلم مما تقدم كله أن الفرص التي سنحت للدول الأوروبية في مناهضة المسلمين واقتسام أملاكهم في القارات الثلاث إنما كان سببها تخاذل ملوك المسلمين وانقياد الأمة لحكم الأشخاص بحيث كان كل شعب من المسلمين لا يحس ولا يعتبر بمصائب الشعب الآخر؛ لأنه مسلوب الإرادة بقوة الحاكم المطلق، ضعيف الحس؛ لشدة ما توالى عليه من الإحن والمحن من وجه، ومن وجه آخر كان المستبدون من أمرائه يحجبون عنه نور المدنية والعلم الصحيح بحجب صفيقة لا ينفذ منها إلا شعاع ضئيل يكاد لا ينبه الحس، شأن الحكومات المطلقة مع الرعية في كل زمان ومكان.

ولم يكن احتكاك المسلمين بأهل المدنية الحديثة بالغا مبلغه الآن ليتكهربوا بتيار الحرية الجاري في جسم الممالك الأوروبية، وليمزقوا تلك الحجب ويندفعوا إلى فضاء الحرية فضاء العلم والحياة، لذا كانوا في حالة تشبه الخدر يصيب الجسم، وينبه قليل من الدلك.

أما الآن فقد تغيرت الحال، وتنبه ذلك الجسم المتخدر رغم الوسائط الكثيرة التي كان يستعملها لتعطيل حركته أولئك المستبدون؛ وذلك لسببين: السبب الأول اندفاع الدول الأوروبية بكليتها إلى الشرق، وتهافتها على البلاد الإسلامية في إفريقيا وآسيا وخصوصا في أواخر القرن الماضي تهافتا خاليا عن كل تبصر ارتعدت له فرائص المشرق، واهتزت له أعصاب المسلمين في كل أنحاء الأرض، فشعروا بالخطر المحيط بهم وبوشك سقوط سيادة كل شعب منهم حتى على الأرض التي جبلوا هم وأجدادهم الشرقيون بترابها، وتمتعوا بحق القرار فيها منذ عرف تاريخ الإنسان.

الجامعة الإسلامية وأوربا · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الجامعة الإسلامية وأورباص ١٧