تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

وقررها شرعكم وأرشدتكم إليها آداب دينكم، ولا تجعلوا إليكم سبيلا لطعن الطاعنين أو مؤاخذة المساكنين في التقاطع مع غيركم من أهل الملل الأخرى، وكونوا أوسع صدرا من غوغائهم ومتعصبيهم يعرفون لكم بعد ذلك جميلكم، ويحفظون جواركم متى حفظتم جوارهم، ولا يمنعنكم ما تسمعونه من تهم الأوروبيين وغلوهم في ذم المسلمين أن تحسنوا إلى أهل جواركم وتكذبوا مع الزمن مفتريات أعدائكم، فسيأتي يوم يحصحص فيه الحق، ويعترف العالم أجمع أن المسلمين خير الناس معاملة للناس واستمساكا بالفضيلة، وأن الشرق منبت الإنسانية الأولى سيكون بأهله مجمع الإنسانية الفاضلة إلى ما شاء الله.

إن الأوروبيين يقولون أوروبا للأوروبيين ودولهم لا تزال تدأب على العمل لتقليص ظل سيادة المسلمين عن آخر ملك لهم في أوروبا، فلا حرج عليكم أن تقولوا مثلهم إن الشرق للشرقيين، وأن تحققوا هذا القول لا بالجلبة والضوضاء بل بالتماس القوة من طرق العلم، نعم من طرق العلم إذ لا قوة بغير العلم، فاليابان في أقصى الشرق سبقتكم إلى تحقيق هذه الأمنية، فكونوا مثل أولئك القوم في أدناه تتحقق حينئذ آمالنا في أن الشرق للشرقيين وتصافحكم أوروبا كما صافحت اليابان مصافحة الصديق للصديق؛ لأنها في حاجة إليكم وأنتم في حاجة إليها.

فهي تحتاج إلى ترويج متاجرها في الشرق وأنتم تحتاجون إليها في تلقي دروس المدنية عنها، وفي أخذ العلوم النافعة منها، فالحاجة متبادلة حتما، ولا غنى للشرق عن الغرب وبالعكس.

وبعد هذا كله يجب أن تعلموا أن من الإنصاف والعدل الاعتراف بفضل المدنية الأوروبية التي نهضت بالإنسانية إلى منزلة سامية لم تبلغها من قبل، وأن الاحتكاك بالأوروبيين قد نفع الشرق نفعا محسوسا نلمسه بالأيدي لمسا، فنحن مدينون لهم بالرقي العقلي والصناعي، فلا يمنعنا عنت ساستهم بنا من معاشرتهم بالمعروف والاعتراف لهم بالفضل وتوثيق عرى الصلة الإنسانية معهم في كل مكان وزمان، وبعد فإنا في حاجة إلى صداقة بعض الدول الأوروبية، فأية حكومة منهن عاملتنا بالمعروف ومهدت لقوم منا سبيل الحرية والاستقلال فلنحرص على صداقتها، ولنعرف لها صنيعها، ولعل في نهضة المسلمين العلمية وحركتهم الفكرية وتشربهم روح الديمقراطية ما يقرب أوان التوفيق بين مصالح الشرق والغرب، ويدعو الدول إلى مصافاة الأمم الإسلامية؛ إذ هذا أبقى للمودة، وأدعى لاستفادة الغرب من الشرق، وإنما يستفيد الغرب من الشرق إذا راعى في تطلب المصلحة قاعدة تبادل المنافع دون التمسك بالأنانية وحب الأثرة ومصادرة الأمم في حقوقهم الطبيعية التي تحرص عليها الإنسانية المتمدنة؛ فيستحيل أن يفرط بها الشرق العريق في المدنية وحب الاستقلال. (4) نصيحة لغير المسلمين

إن العالم يسير إلى الديمقراطية الصحيحة سيرا حثيثا يجعل حياة الأمم السياسية بمعزل عن الاعتقادات بحيث لا يكون تباين اعتقادين في شعب واحد مانعا من توثق عرى القومية أو مباينا بين أغراضها السياسية، وقد سبق الغرب الشرق لهذا العهد إلى هذه الديمقراطية، وبدأ الشرق يحس بها أو يشعر بالحاجة إليها بعد أن ثقلت عليه سيطرة الغرب، وأنهكه طول التفرق والانقسام، فليس المسيحي واليهودي وغيرهما بأقل حاجة من المسلم إلى الاعتضاد بالقومية وتوثيق وشائج الإخاء الوطني للدخول في تلك الديمقراطية الصحيحة التي ترفع شأن الأمم وتحوط حياة الأقوام السياسية بسور من القوة.

وهذا ما نريد أن ننبه إليه أهل جوار المسلمين من أرباب الملل الأخرى حيثما جمعهم جميعا وطن واحد وجبلوا من طينة واحدة، ونخالهم يسلمون معنا أن عصور الجهالة التي كان انطفأ فيها مصباح العلم في أيام الاستبداد الغابر الذي طمس معالم الفضيلة الدينية والوطنية ونفث في المسلمين والمسيحيين وغيرهم سم التعصب قد مضى أمره وذهب سلطانه، إلا أثرا منه في النفوس نرجو أن يعالجه العلم بالأدواء النافعة ويحل محله الوفاق والحب والمصافاة.

الجامعة الإسلامية وأوربا · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الجامعة الإسلامية وأورباص ١٦