تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن الجلي أن المسألة الشرقية تحل نفسها بنفسها، وإن كان هذا الحل يظهر أنه بطيء للأمم التي تئن من الظلم التركي والتي هي في شوق لأن ترى مصرع الرجل العليل في أوروبا (يريد الدولة العثمانية) ليقتسموا ميراثه بينهم، ولكن مرض الدولة العلية قد بلغ حدا من المحال أن تبرأ منه، وليست حقيقة المسألة الشرقية البحث عن الوقت الذي يتقلص فيه ظل الأتراك عن آخر أملاكهم في قارة أوروبا، وإنما الحقيقة التي يبحث عنها هي من ذا الذي يخلفهم في القسطنطينية والبوسفور والدردنيل، وكلما تباطأ حل هذه المسألة كلما زادت فوائد إنكلترا بصفتها نصيرة السلام العام، ولا حاجة بي إلى بيان أنه لولا الخوف من سعة نفوذ الروسيين لمحي الأتراك إلى اليوم من صحيفة الوجود في أوروبا، ومهما كانت نتيجة القلاقل المنتشرة الآن في الروسيا سواء كان نتيجتها نزع سلطة القيصر أو محو آثار هذه القلاقل، فمما لا ريب فيه أن حربا ستقوم يمحى بها أكثر الأتراك من أوروبا، ولا بد أن يأتي يوم نسمع فيه أن المسألة الشرقية قد انحلت.

ثم هو يدعو في مكان آخر من هذا الكتاب الدول المسيحية إلى الاتفاق على جهاد المسلمين وسحقهم خصوصا في إفريقيا.

كل هذا يسمعه المسلمون ويرون أثره ظاهرا في وجودهم السياسي الذي تكافحه أوروبا منذ أربعة قرون، وكادت لهذا العهد تأتي على آخره، وتمحو من الوجود معالمه، فماذا صنع المسلمون؟ هل خطر لهم يوما خاطر الاتحاد الإسلامي أو هبت في نفوسهم عاطفة الدين فمد بعضهم لبعض يد الإخاء وتناصروا على دفع الأعداء، وهل كان أمراؤهم الكبار وطواغيتهم الجاهلون الأغرار يتناصرون حين اشتداد الخطوب ويتصارخون حين الحاجة ويتحابون عند نزول العدو في ساحة أحدهم بقصد اكتساح بلاده وثل عرشه واستخذائه وقومه؟

كلا، بل بلغ بهم ضعف العقول، وانحلال الرابطة أن كان بعضهم عدوا لبعض يتربص به الدوائر، ويسارقه نظر العدو الغادر أو الصديق الجاهل، ولم نظفر في التاريخ الحديث - أي منذ نهوض الدول الأوروبية لمصادرة المسلمين ومناوئتهم - إلا بالشاذ النادر من الأخبار التي تنبئ عن الاستنجاد أو التناصر بما لا يتعدى حد القول، ولم يبرز من القوة إلى الفعل، وها نحن نسوق إليك تلك الأخبار في مساق الحكم على ضعف أمراء المسلمين وانحلال رابطة الوحدة الإسلامية بين حكومات الإسلام، بل والوحدة السياسية أيضا التي تقضي بها طبيعة الاجتماع لما يقابلها من وحدة السياسة الغربية التي ترمي بسهامها إلى غرض واحد وهو تدويخ المشرق واستعباد أهليه، وهذا ما تشتغل أوروبا للوصول إليه من عدة أجيال، وحسبك من نتائج تخاذل الحكومات الإسلامية المدارة بيد الأفراد، سقوط مملكة الأندلس بيد الإسبانيول وهي تستغيث بأمراء المسلمين وليس من مغيث، وآخر مدينة سقطت منها بيد العدو مدينة غرناطة وأميرها يرسل الرسالة تلو الرسالة إلى سلطان المغرب السلطان الشيخ الوطاسي والسلطان بايزيد العثماني لينجداه وينقذا المسلمين من بلاء كبير أعده لهم الإسبانيول، فلم ينجده إلا السلطان بايزيد برسالة بعث بها إلى پاپا رومة لم تغن عن جند أو مال، وانتهت الحال بسقوط الأندلس كافة بيد الإسبانيول.

أشرنا فيما سبق إلى أن وجود الدولة العثمانية بين دول أوروبا والشرق الأقصى وعدم تمكنهن من الاستيلاء على ممالكها حول مطامعهن إلى المحيط الهندي خصوصا بعد اكتشاف البرتغاليين لطريق رأس الرجاء الصالح، فانكفأت الدول الطامحة إلى الفتح والاستعمار على تلك الأرجاء، وأخذت بأكظام المسلمين على حين استحكام العداوة بين أمرائهم وتفشي الجهل والفوضى بين خاصتهم وعامتهم، ولما ضاقت بأمراء الهند سبل الخلاص من تلك الدول وخاصة الإنكليز والبرتغال؛ كان أول من تنبه منهم إلى وجوب الاستعانة بغيره من سلاطين المسلمين السلطان علي نجا سلطان مليبار في الهند، فأرسل إلى السلطان عبد الحميد الأول سنة (1191) رسولا ومعه كتاب يقول فيه إن المرحوم السلطان مراد كان أسعف حكومة مليبار بسفينتين حربيتين وجنود انتصرت لهم على أعدائها من المجوس وذلك سنة (950ه)، ويطلب في هذا الكتاب تجديد هذا التفضل من الدولة على حكومة مليبار بإنجادها الآن بالمال فقط لتستعين به على محاربة أهل جوارها من المجوس الذين كانوا أصلوا السلطان علي نجا حربا عوانا بدسائس الإنكليز والبرتغاليين، وكانت الدولة أكثر منه حاجة إلى المال، فلم تساعدها الأحوال على إسعافه بما طلب، ثم في سنة (1194ه) أرسلت أخته السلطانة بيبي وكانت خلفته في الملك رسولا آخر إلى الأستانة تستنجد الدولة العلية على أعدائها، فاعتذرت الدولة ببعد المسافة بين المملكتين وأعادت الرسول مصحوبا بهدية نفيسة إلى السلطانة مع تطمينها أن الدولة أوصت دولة إنكلترا والبرتغال بعدم التعرض لحكومة مليبار بما يقلق راحتها وراحة الأهلين، ثم لما اشتدت وطأة الإنكليز على بلادها وأشرف ملكها على السقوط، وذلك سنة 1199 ولم ينجدها أحد من ملوك الهند المتخاذلين استنجدت بالدولة أيضا، والدولة كتبت إلى والي بغداد تسأله إن كان في الإمكان إسعافها بشيء من النجدة، ولم يتم لتلك الملكة التعيسة ما تريد؛ لأن الدولة كانت في حرب دائمة مع أوروبا في ذلك الوقت وخصوصا الروسية، فلم تستطع إمداد الهنود بشيء من القوة، ولو فعلت لكانت لها السيادة على الهند إلى اليوم.

الجامعة الإسلامية وأوربا · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الجامعة الإسلامية وأورباص ١٢