انقضت هذه الحرب في عهد المرحوم السلطان عبد المجيد الذي توفي عقبها وتولى مكانه السلطان عبد العزيز، فداهمته الدول بالمطالب الكثيرة التي ترمي إلى المداخلة في شئون الدولة، التي أقرت تلك الدول على سلامتها واستقلالها التام في أمورها الداخلية في مؤتمر باريس، لكنها لم تلبث أن انقلبت عليها بدس الدسائس السياسية في بلادها لإلجائها إلى التصديق على صحة إمارة أمير رومانيا الذي اختارته الدول، وللتسليم بمطالب الصربيين الذين يريدون الاستقلال المطلق عن الدولة، ثم بتحريك أهالي كريد للنهوض إلى الثورة والانفصال عن الدولة حتى اضطرت الدولة إلى إكراههم على الطاعة بقوة الجند.
وبينما الدولة تلاقي هذه الخطوب بعزم ثابت ونضال مستمر حدثت الانقلابات الشهيرة والخطوب الكبيرة بموت السلطان عبد العزيز وتولي السلطان مراد ثم السلطان الحالي عبد الحميد، وقامت الفتنة ثانية في البلقان، وشبت بعدها نار الحرب الأخيرة بين الروسيا والدولة العثمانية، وانفصلت عنها بسببها البوسنة والهرسك والصرب والبلغار ثم الروملي الشرقي وتضعضعت قوى الدولة، وهذا ما تريده أوروبا منذ قررت الدول أن لا يهاجمن الدولة مجتمعات، بل ينتهزن مثل هذه الفرص وينقصن من أطرافها منفردات، وكانت فرصة ضعفها سانحة لهن عقب هذه الحرب، فأخذت إنكلترا جزيرة قبرص، واحتلت فرنسا تونس ثم احتل الإنكليز مصر، ولم يكف الدولة ذلك حتى قامت اليونان فاغتصبت تساليا، ثم أقامت حربها الثانية التي انخذلت فيها، فعاقبت الدول الدولة العثمانية على قهرها لليونان بفصل جزيرة كريد عنها، وكل هذه حوادث غير بعيدة عهد من الناس فلم نر حاجة للإسهاب في ذكرها وتجديد ذكرى الآلام في نشرها، ثم أعقب هذا أمور في مناهضة أوروبا للدولة العثمانية في الجليل والحقير من شئونها الداخلية، كانت ولم تزل تتجدد كل يوم، ومع هذا كله فإن السياسيين من أهل أوروبا لا يخجلون من الحق ولا يستحيون من جميع العالم الإنساني الشاهد عليهم بالكذب والبهتان، حيث ينادون بخطر الجامعة الإسلامية واتحاد الإسلام، مع أن المسلمين في كل ناحية من الأرض صاروا أسرى الدول الأوروبية، وأصبحوا لا حول لهم ولا قوة إلا تلك العاطفة الدينية المنبعثة عن الشعور دون العقل الفعال، كما أبنا عن ذلك فيما سبق من الكلام.
إن أوروبا تناهض المسلمين منذ عدة أجيال كما رأيت، وتنقص من أطراف ملكهم في أقطار الأرض، وهذه تركيا التي هي أعظم دولة إسلامية وتاريخها مع أوروبا شاهد على ذلك، وهذه القريم وقفقاسيا وداغستان وطاشقند وبخارى وخيوى وتاريخها مع الروسية شاهد على ذلك، وهذه الهند والسند «بلوجستان» وجزائر آسيا وإفريقيا كجاوى وسومطرا وسنغافوره وهنزوان وزنجبار والبحرين وغيرها، وتاريخها مع إنكلترا وفرنسا وهولاندا والبرتغال شاهد على ذلك، وهذه إفريقيا الشرقية وتاريخها مع إيطاليا وإنكلترا وفرنسا وألمانيا شاهد على ذلك، وهذه إفريقيا الشمالية والغربية وتاريخها مع إنكلترا وفرنسا شاهد على ذلك، وهذه إفريقيا الوسطى والسودان المصري وتاريخها مع إنكلترا وبلجا وفرنسا شاهد على ذلك، وهذه مراكش التي هي البقية الباقية من إفريقيا الشمالية الغربية ومعاهدة أبريل سنة (1904م) بين إنكلترا وفرنسا القاضية بسلب استقلالها شاهدة على ذلك.
هذا ما تفعله الدول الأوروبية بالمسلمين ودولهم منذ أربعة قرون تارة مجتمعات وتارة منفردات، وهكذا كانت ولا تزال تتشاطر ملك الإسلام وتقف لأهله في كل مرصد وتسد في وجوههم كل منفذ، وأكثر الساسة والكتاب الغربيين ينذرون البقية الباقية من دولهم بيوم عصيب وخطر قريب، يجهزون به على البقية الباقية لهم من الاستقلال إذ حان على زعمهم بعث المسألة الشرقية من رمس السياسة، وهي المسألة التي طال قولهم فيها وتعريضهم بها وأقوالهم في هذه المسألة مستفيضة في التاريخ وعلى الألسن، فمن العبث استقصاؤها في هذه العجالة، وإنما ننقل قولا واحدا لمتأخر جاء في كتاب «مستقبل مصر» تأليف «المستر ديسي» المطبوع حديثا وهو قوله: