أيضاً عند الخمسة إلا ابن ماجه وصححه الترمذي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (( نهى عن الثنيا إلا أن تعلم )) وقد تقرر في الأصول أن النهي حقيقته التحريم فإذا علمت الثنيا صحت وجازت ، ولأن الجهل بها نوع من الغرر فيدخل في عموم نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر ، ولأن عقود المعاوضات مبناها على المبادلة حتى ينتفع كل واحدٍ منهما بما صار إليه ، فالبائع ينتفع بالثمن ، والمشتري ينتفع بالسلعة ، وهذا هو مقصود عقد المعاوضة فإذا جاز الاستثناء فيها بلا اشتراط علمها فإن العقد حينئذٍ لا تترتب عليه مصلحته المطلوبة لما فيه من الغرر والجهالة في عقود المعاوضات ، فدل النقل والعقل ومقاصد الشريعة على اشتراط العلم بالثنيا في عقود المعاوضات ، وأما دليل جوازها مع الجهالة في عقود التبرعات فلحديث سفينة عند أبي داود وغيره بسندٍ صحيح قال : (( كنت مملوكاً لأم سلمة فقالت : أعتقتك وأشترط عليك أن تخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - ما عشت ، قلت : لو لم تشرطي علي ما فارقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعتقتني واشترطت عليه )) فالعقد هنا عقد تبرع وحصل فيه ثنيا وهي استثناء منفعة خدمة العبد مدة حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهذه مدة غير معلومة ومع ذلك صح العقد وأقره النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه يبعد أن يكون لم يعلم به ، فصحت الثنيا مع الجهالة مما يدل على أن عقود التبرعات لا يلزم فيها العلم بمدة الثنيا ، والحديث وإن كان في العتق إلا أننا ألحقنا به سائر عقود التبرعات من باب القياس عليه ، وهو قياس صحيح فالأصل عقد العتق ، والفرع سائر عقود التبرعات ، والعلة الجامعة : أن هذا عقد تبرع ، والحكم أنه كما صحت الثنيا مع الجهالة في العتق فإنها تصح مع الجهالة في سائر التبرعات ، ولأن عقود التبرعات مبناها على الإحسان والخسارة فيها على الطرف الآخر أبداً فهي إن حصلت فمغنم ومكسب ، وإن لم تحصل فلا غرم ولا خسارة
قواعد البيوع وفرائد الفروع · الصفحة ١٢٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
قواعد البيوع وفرائد الفروعص ١٢٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي