أقول : اعلم أرشدنا الله وإياك لطاعته ووفقنا جميعاً لسلوك سبيل مرضاته وجعلنا وإياك من أهل جناته أننا ذكرنا سابقاً أن عقود المعاوضات مبناها على المشاحة ، وعقود التبرعات مبناها على المسامحة ، وفرعنا على ذلك فروعاً كثيرة وذكرنا منها أن الاستثناء لا بد من العلم به في عقود المعاوضات فلا تغتفر فيه الجهالة وأما عقود التبرعات فيصح الاستثناء فيها ولو كان مجهولاً ، ووعدنا أن نفرد لذلك قاعدة وهذا أوان الوفاء ولله الحمد والمنة فأقول : معنى هذه القاعدة : أن الإنسان يجوز له إذا باع عيناً أو منفعة أن يستثنى منفعتها ، لكن هذه الثنيا لا بد أن تكون معلومة إذا كان العقد عقد معاوضة ، أي لا بد أن تحدد بالأيام أو الشهور أن السنين ونحو ذلك فلا تصح إذا كانت مجهولة وذلك لأن عقود المعاوضات – وهي التي يكون فيها العوض من الطرفين – مبناها على المشاحة ، وأما إذا كان هذا العقد المبرم عقد تبرع فإنه تصح الثنيا فيه ولو كانت مجهولة كما سيأتي التمثيل عليه إن شاء الله تعالى ، لأن عقود التبرعات مبناها على المسامحة ، والذي يدل على ذلك ما رواه الإمام البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما : أنه كان يسير على جملٍ له أعيا فأراد أي يسيبه قال : فلحقني النبي - صلى الله عليه وسلم - ودعا لي بالبركة وضربه فسار سيراً لم يسر مثله قط ، فقال : (( بعنيه بوقية )) ، فقلت : لا ، فقال : (( بعنيه ! )) فبعته بوقية واشترطت حملانه إلى أهلي ، فلما بلغت أتيته بالجمل فنقدني ثمنه فرجعت فأرسل في أثري وقال : (( أتراني ما كستك لآخذ جملك ! خذ جملك ودراهمك فهو لك )) فهذا الحديث فيه جواز استثناء منفعة المبيع مدة معلومة والعقد هنا عقد معاوضة وأقره النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك ، مما يدل على الجواز لأنه قد تقرر في العقود أن إقراره - صلى الله عليه وسلم - حجة على الجواز ، والذي يؤكد أهمية معرفة مدة الاستثناء هو حديث جابرٍ
قواعد البيوع وفرائد الفروع · الصفحة ١٢٥
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
قواعد البيوع وفرائد الفروعص ١٢٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي