…(د) وعليه أن يكون عاملاً بما يفتي به من الخير، منتهياً عما ينهى عنه من المحرمات والمكروهات، ليتطابق قوله وفعله، فيكون فعله مصدّقاً لقوله مؤيدا له، فإن كان بضد ذلك كان فعله مكذباً لقوله، وصادّاً للمستفتي عن قبوله والامتثال له، لما في الطبائع البشرية من التأثر بالأفعال، ولايعني ذلك أنه ليس له الإفتاء في تلك الحال، إذ ما من أحد إلا وله زلة، كما هو مقرر عند العلماء: أنه لايلزم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون صاحبه مؤتمراً منتهياً، وهذا مالم تكن مخالفته مسقطة لعدالته، فلا تصح فتياه حينئذ (2).
…(هـ) أن لايفتي حال انشغال قلبه بشدة غضب أو فرح أو جوع أو عطش أو إرهاق أو تغيّر خُلق، أو كان في حال نعاس، أو مرض شديد، أو حرّ مزعج، أو برد مؤلم، أو مدافعة الأخبثين ونحو ذلك من الحاجات التي تمنع صحة الفكر واستقامة الحكم (3)، لقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : " لايقضينَّ حَكَم بين اثنين وهو غضبان " (4) ، فإن حصل له شيء من ذلك وجب عليه أن يتوقف عن الإفتاء حتى يزول مابه ويرجع إلى حال الاعتدال، فإن أفتى في حال انشغال القلب بشيء من ذلك في بعض الأحوال وهو يرى أنه لم يخرج
(1)…صفة الفتوى لابن حمدان ص 11، وإعلام الموقعين 4/172.
(2)…الموافقات للشاطبي 4/252-258.
(3)…إعلام الموقعين 4/227، وصفة الفتوى لابن حمدان ص 34,
(4)…حديث: " لايقضين حكم بين اثنين وهو... " أخرجه البخاري ( فتح الباري 13/136)، …ومسلم (3/1343) من حديث أبي بكرة، واللفظ للبخاري.
74
عن الصواب صحت فتياه، وإن كان مخاطراً (1)، لكن قيّده المالكية بكون ذلك لم يخرجه عن أصل الفكر.
…فإن أخرجه الدهش عن أصل الفكر لم تصح فتياه قطعاً وإن وافقت الصواب(2).