…قال ابن سريج: سمعت إسماعيل القاضي قال: دخلت على المعتضد، فدفع إليّ كتاباً نظرت فيه وقد جمع فيه الرخص من زَلَلِ العلماء، وما احتج به كل منهم، فقلت: مؤلف هذا الكتاب زنديق، فقال: لم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على مارويت، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح المسكر، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه... فأمر المعتضد بإحراق هذا الكتاب .
…على أن الذاهبين إلى هذا القول لم يمنعوا الإفتاء بما فيه ترخيص إن كان له مستند صحيح.
…قال ابن القيم بعد أن ذكر تتبع المفتي الرخص لمن أراد نفعه: فإن حسن قصد المفتي في حيلة جائزة لاشبهة فيها، ولامفسدة لتخليص المستفتي بها من حرج جاز ذلك، بل استُحبّ، وقد أرشد اللّه نبيّه أيوب عليه السلام إلى التخلص من الحنث: بأن يأخذ بيده ضغثاً فيضرب به المرأة ضربة واحدة، قال: فأحسن المخارج ماخلّص من المآثم، وأقبحها ماأوقع في المحارم(1).
(1)…الموافقات 4،118، وما بعدها، و134، 140، 155، 259، والبحر المحيط …6/324، 327، وإرشاد الفحول ص 272، وإعلام الموقعين 4،222، والمجموع …للنووي 1/55.
69
إحالة المفتي على غيره:
…للمفتي أن يحيل المستفتي على غيره من المفتين، إما بقصد أن يبرأ من عهدة الفتوى، وإمّا لكون الآخر أعلم، وإما لظرف يستدعي ذلك، ولاتجوز له الإحالة إلا أن يكون المحال عليه أهلاً للفتيا، سواء كان يعلم أنه يوافقه في الرأي أو يخالفه، فإن أحال على من ليس أهلاً فإنه يكون مُعيناً على الإثم والعدوان، قال أبو داود: قلت لأحمد: الرجل يسأل عن مسألة فأدله على إنسان؟ قال: إذا كان متبعاً ويفتي بالسنة، قلت: إنه يريد الاتباع وليس كل قوله يصيب، قال: ومن يصيب في كل شيء؟.
…لكن لايحل أن يدل على من يخالفه في القول إلا أن تكون المسألة اجتهادية، فيجوز ذلك، لأن اجتهاده ليس أولى من اجتهاد غيره.