…ذهب عامة العلماء وصرح به النووي في فتاويه إلى أنه ليس للمفتي تتبع رخص المذاهب، بأن يبحث عن الأسهل من القولين أو الوجهين ويفتي به، وخاصة إن كان يفتي بذلك من يحبه من صديق أو قريب، ويفتي بغير ذلك من عداهم، وقد خطّأ العلماء من يفعل ذلك، نقله الشاطبي عن الباجي والخطابي، ونص بعض العلماء: منهم أبو إسحاق المروزي، وابن القيم على فسق من يفعل ذلك، لأن الراجح في نظر المفتي هو في ظنه حكم اللّه تعالى، فتركه والأخذ بغيره لمجرد اليسر والسهولة استهانة بالدين، شبيه بالانسلاخ منه، ولأنه شبيه برفع التكليف بالكلية، إذا الأصل أن في التكليف نوعاً من المشقة، فإن أخذ في كل مسألة بالأخف لمجرد كونه أخفّ، فإنه ماشاء أن يسقط تكليفاً ـ من غير مافيه إجماع ـ إلا أسقطه، فيسقط في الزكاة مثلاً زكاة مال الصغير، وزكاة مال التجارة، وزكاة الفلوس وما شابهها، وزكاة كثير من المعشرات، ويسقط تحريم المتعة، ويجيز النبيذ، ونحو ذلك، قال أحمد: لو أن رجلاً عمل بكل رخصة: بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع، وأهل مكة في المتعة، كان فاسقاً. اهـ. وقال الأوزاعي: من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام.
…وإن أفتى كل أحد بما يشتهي انخرم قانون السياسة الشرعية، الذي يقوم
(1)…المجموع للنووي 1/47، وصفة الفتوى لابن حمدان ص 39، ومنتهى السول …3/71، وجمع الجوامع وشرحه 2/394، وإعلام الموقعين 4/232، والبحر المحيط …6/302.
68
على العدالة والتسوية، وهذا يؤدي إلى الفوضى والمظالم وتضييع الحقوق بين الناس.