طيب ... استمرت المعركة، وطالت، والروس يتكبدون الخسائر، ويدفعون الضرائب، ضرائب ما تصوروها، كنت مرة في ندوة حضرتها، قال ضياء الحق: اجتمعت مع السفير الروسي، فقلت للسفير: أنتم وصلتم القمر، وطفتم حول الأرض، والأقمار الصناعية هذه التي تطلقونها، في عالم الطب حققتم خوارق، لكن يبدو أنكم ما درستم التاريخ، قال له السفير الروسي: كيف ما درسنا التاريخ؟! قال: لو درستم التاريخ ما غلطتم أبدا، فكيف غلطتم هذه الغلطة؟!، ما جاءت وقعتكم السوداء إلا مع التيس الجبلي؟! مع هؤلاء الذين لا يفهمون عربي ولا انجليزي، فعلا كل واحد منهم أسد ... سبحان الله!!
إذا يساور قرنا لا يحل له
أن يترك القرن إلا وهو مجدول
جياع!! ولكن المعركة مستمرة، قال سياف ذات مرة: يا شيخ عبد الله أنا مرات أجلس أريد أن أنظم كيف نوصل الخبز إلى الجبهات؟ كيف نؤمن الخبز فقط؟، قال: فأقف أمام معضلة مستحيلة الحل، فأترك التفكير، وأقول له: هو الجهاد لك، فدبر كما تشاء، فعلا أنا محتار، كيف إستمر الجهاد؟! وحيرتي أكثر كيف صبر القوم؟! كيف صبروا؟! آلام لا يمكن أن توصف ولا يحتملها بشر، واحد منهم قائد ... يوجد قائد اسمه أغا وليد سيد جمال والطائرة تغير على بيته، تمسح بيته من الوجود، من أشهر قادة الشمال.
صبر الأفغان ومحافظتهم على العرض والدين
أخ عربي حدثني، قال: كنا في خورد كابل في معركة، وضربت عجوز قطعت يدها من شظيه، وبقيت يدها معلقة بجلدها، حملها المجاهدون، وهي تردد:
(لا إلله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)
(الأنبياء: 87)
ثم رأت رجلين غريبين قالت: ممن هذان الرجلان؟ قيل لها: هؤلاء من العرب، وكان المجاهدون قد أنسحبوا أمام الدبابات، وإذا بالمرأة تنسى جرحها، وتخلع خمارها وترميه على القائد، وتقول له: إلبس خمارنا وارم عمامتك لأنك لست من الرجال، كيف تنسحب بأحفاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من المعركة؟!، قال: كانت النساء كلهن في المسجد مع الأطفال- قرية صغيرة خمس وسبعين إمرأة وطفل- وأغارت الطائرات، وأحالت البشر إلى-بولبيف- (1) [قطع صغيرة من اللحم]. لم يبق إنسان حي إلا طفلة تصرخ في داخل هذه القطع المتناثرة من اللحوم والجماجم، فحملوها وإذا بها قد جنت للمنظر، قال: اغرورقت عيناي- هذا عادل العربي من عتيبه- قال: إغرورقت عنياي، فجاء القائد كمستان، قال: ما بالك يا عادل؟ قلت: لمثل هذا فلتبكي البواكي ... !!
ولمثل هذا يذوب القلب من حزن
إن كان في القلب إسلام وإيمان
قال: كفكف دموعك، الطريق طويلة، والضرائب فادحة، ولن ينتصر هذا الدين بدون هذا، ونحن على الطريق ... غدا سأقتل مثل هؤلاء، يا عادل: إن هنالك شيئا أشد على نفوسنا من هذا، هذا نحتمله، إن إتهام جهادنا، وإتهامنا أننا لسنا مسلمين، أو أننا مشركون، أو جهادنا ليس إسلاميا أشد على قلوبنا من رؤية هذه المناظر.
حقيقة، الناس كلهم في المعركة، الأثمان غالية جدا، والأفغاني أعز مالديه عرضه، والمرأة الأفغانية بأصالتها عجيبة، ما رأيت امرأة في العالم الإسلامي أصالتها كأصالة المرأة الأفغانية، تتسلق الجبال، وتقطع الوهاد التلال، والرمال، وبيدها أولادها، وباليد الأخرى تمسك نقابها رغم العرق، وتجرع المرارة والغصص، حتى لا يسقط النقاب عن وجهها أثناء مسيرة العذاب والآلام.