تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تحويل أن الله خالق رازق من توحيد ربوبية إلى توكل عملي في واقع الحياة هذا الذي جاء من أجله الرسل، وإذا انحلت هذه العقدة انحلت بعدها كل العقد.

إن توحيد الربوبية سهل على النفوس أن تتلقاه، لأنه يمكن أن ي تلقى في جلسة أو جلسات؛ أما أن تحى ي الحياة كلها وأنت رافع الرأس عالي الهمة معتصما بخالقك لا تنثني وتطأطيء عنقك لمخلوق في الأرض، إلا لمن خلقها سبحانه وتعالى الذي فوق السماء استوى.

هذا هو توحيد الألوهية، وهذا الذي صنعه الأفغان، لقد علمونا التوحيد ... والله، تعلمنا منهم قضية التوكل على الله، وقضية أن الله خالق رازق، ليس من خلال جلسة؛ علمونا إياها في مسجد أو في مدرسة، ولكنهم عل مونا إياها فوق ذرى الهندكوش، من خلال تلك الرؤوس المرفوعة التي تناطح السحاب تتحدى أعتى قوى الأرض، وأنت تأتي إليهم تسألهم: أتظنون أنكم تنتصرون على روسيا؟ قالوا: قطعا سننتصر على روسيا ... وكيف يكون ذلك، والأساطيل البرية والجوية من فوقكم ومن تحتكم ... يقولون: معادلة بسيطة؛ الله قوى، وأقوى من روسيا ونحن مع الله إذن سينصرنا الله.

أي توحيد أعظم من هذا التوحيد؟ أولئك فعلا يقرأ أحدهم الحديث ويؤمن به، ويحوله فعلا إلى واقع حياة.

(أحمد بانا) أحد قادة أحمد شاه مسعود في الشمال، قائد بسيط، قرأ حديثا (من قال حين يصبح بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شئ في الأرض ولا في السماء وهوالسميع العليم ثلاث مرات لا يضره شئ حتى يمسي ومن قالها حين يمسي لا يضره شيء حتى يصبح).

يؤمن فعلا أنه لا يمكن أن يصيبه شئ حتى الرصاص-لا يضره-إلا إذا كان الموت، ولذلك تجد تصرفاته كالمجنون يركب في السيارات، السيارات على الطريق العام الواصل بين كابل وموسكو، وعلى طول الطريق نقاط التفتيش من الروس الذين معهم صورة أحمد بانا ويطلقون عليه جنرال بانا.

ويطل جندي روسي ذات يوم في السيارةالتي فيها أحمد بانه ويرجع هلعا خائفا مرعوبا بانا .. بانا .. وإذا بالسلاح يسقط من أيدي الروس عندما سمعوا اسمه، وليس معه شئ فدفع الجندي الروسي بيده وقفز من السيارة وفتحت عليه الرشاشات واحترقت ثيابه ولم يجرح جرحا واحدا.

قضايا التوكل؛ تحويل الآيات والأحاديث إلى واقع عملي إلى توحيد الالوهية، هذا الذي جاء من أجله الرسل، إن لم يكن التوحيد هذا فأين التوحيد؟

يقول لي الشيخ جلال الدين: كنت ذات مرة مهموما بسبب أن الطعام قد نفذ من عند المجاهدين ولايستطيع أحد أن يصل إلينا، فجلست بعد صلاة الفجر على سجادتي أستغفر الله، فأخذتني سنة من النوم وأنا مهموم، قال: وإذا بهاتف يهتف بي: يا جلال الدين كان الله يرزقك وأنت لا تجاهد أفينساك وأنت تجاهد في سبيله؟!

ولا تظنوا أن هذا قد جاء مصادفة أو اعتباطا؛ قد جاء ثمار بحور العرق و الدم التي أحيا الله بها الأمة المسلمة من جديد.

عندما وقفت على ذرى جبال سليمان ورأيت هؤلاء الحفاة العراة؛ وكما قال عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: (اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم، اللهم إنهم جياع فأطعمهم) وأنا أشهد أن هؤلاء أشد حاجة من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم للطعام واللباس والحذاء.

عندما رأيت هؤلاء يتحدون أعتى قوى الأرض جميعا-سنوات مرت-والسماء تمطرهم بحممها، والأرض تفجر تحت أرجلهم براكينها، وهم لا ينتهون ولا يلوون ولا ينكصون ولا يتراجعون؛ أدركت أن المبادئ لا تنتصر بالكلام، وأن القيم لا تسود في الأنام بدون هذه التضحيات وبدون هذه الدماء.

يوم أن تعرفت على الشعب الأفغاني المسلم شعرت أني أعز إنسان على الأرض، لأني أحمل هويتهم وأنال جنسيتهم وهي جنسية: (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، جنسية الإسلام.

قصص و احداث · الصفحة ٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قصص و احداثص ٢