- نجيب أيها المحقق طالب يقطر الأدب من كلامه، وترتقي المعالي بأخلاقه ، إنه رقيق الإحساس ، شفيف المشاعر ، نادر المثال ، تتمازج إبداعات عقله بإشراقات روحه ؛ كان يقدم لنا أعمالا مدرسية رائعة ..
- هل لاحظتم عليه ما يريب في سابق أيامه ؟ دارت الكآبة في محيا الأستاذ وقال بتأسف ظاهر :
- أقسم أننا ( كهيئة تدريسية ) لم نلحظ على نجيب سوى مايدعو للفخار والرفعة والشموخ والعزة، كان يغذي سفوح آمالنا إذا أجدبت لمرأى الأجيال أمامنا .. كان الأمل والعزاء ، كان ثمرة العطاء . صمت الأستاذ قليلا وهو ينظر للأفق ثم أكمل :
- هل تصدق أننا جميعا في حيرة بالغة ؟!! لم نصدق حتى أثبت لنا أنه متهم. مسكين ، كيف أصبح متهما .. ماهي الظروف التي قتلته ؟ شيء عجيب .. شيء .. وغادرت الكلمات مرفأها لفترة ثم قال :
- أتسمح لي بزيارته ؟
لم يستطع المحقق منع الأستاذ من زيارة طالبه الأثير ، وقال لنفسه : ( قد تبدد هذه الزيارة بعض الغيوم وتفسر شيئاً من الأحداث ) .
ما أن رأى نجيب أستاذه الوقور أمامه حتى نهض مصافحاً خجلاً وقد بدا منكمشاً كسيفاً قد غادرت الابتسامة محياه وذهبت الآمال من مقلتيه ، وقبل أن ينطق الأستاذ بهمسة أحس نجيب بوابل الأسئلة تمطره وأنه يقف تحتها مرتدياً أثواباً شفافة خفيفة مهترئة وتذكر أن ( الحقيقة لا تغطى بغربال ) ،كما علمه أستاذه الفاضل .
ود لو يتطاير رماداً ليعود محمولاً مع ذرات الغبار وينعم في فصله الدراسي بين زملائه وأمام أساتذته ، لكنه خاطب نفسه قاتل الله القسوة و الغلظة والبخل والجفاء وسامح الله الأثرياء الذين لم يلتفتوا إلى أمثالنا .
وأحس بيدي الأستاذ الحانيتين تربتان على كتفه لتطمئن وجيب قلبه .
( نجيب .. أضاعوك وأي فتى أضاعوا ) .
- نجيب ولدي الحبيب،اصدقني وأخبرني كيف دخلت سراديب الضياع، ومتى أصبحت تلهث خلف الأفاعي والذئاب ؟ نجيب ولدي ..كيف؟