تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فوصيناه ﴿بِوَالِدَيْهِ﴾، وقلنا له: ﴿اشْكُرْ لِي﴾ بالقيام بعبوديتي، وأداء حقوقي، وأن لا تستعين بنِعَمِي على معصيتي، ﴿وَلِوَالِدَيْكَ﴾ بالإحسان إليهما بالقول اللين، والكلام اللطيف، والفعل الجميل، والتواضع لهما، وإكرامهما وإجلالهما، والقيام بمئونتهما، واجتناب الإساءة إليهما من كلّ وجه بالقول والفعل.

فوصيناه بهذه الوصية، وأخبرناه أنَّ ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾، أي: سترجع أيها الإنسان إلى من وصّاك، وكلّفك بهذه الحقوق، فيسألك: هل قمت بها، فيثيبك الثواب الجزيل، أم ضيَّعتها، فيعاقبك العقاب الوبيل (١).

ثم ذكر السبب الموجب لبرِّ الوالدين في الأم، فقال: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾، أي: مشقة على مشقة، فلا تزال تلاقي المشاقّ من حين يكون نطفة؛ من الوحَم، والمرض، والضعف، والثِّقَل، وتغيُّر الحال، ثم وجع الولادة ذلك الوجع الشديد، ثم ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾، وهو ملازمٌ لحضانة أمه وكفالتها ورضاعها، أفما يحسنُ بِمَنْ تحمَّل على ولده هذه الشدائد مع شدة الحب أن يؤكَّد على ولده، ويوصي إليه بتمام الإحسان إليه؟

﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾، أي: اجتهد والداك ﴿عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾، ولا تظنَّ أنَّ هذا داخل في الإحسان إليهما؛ لأنَّ حق الله مقدَّم على حقِّ كل أحدٍ، و«لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق» (٢)، ولم يقل: «وإنْ جاهداك على أن تُشرِكَ بي ما ليس لك به علمٌ فعُقَّهما»، بل قال: ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾، أي: في الشرك، وأمّا بِرُّهما فاستمرَّ عليه، ولهذا قال: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، أي: صحبة إحسان إليهما بالمعروف، وأما اتّباعهما وهما بحالة الكفر والمعاصي فلا تتَّبِعْهما، ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ وهم

(١) أي: الشديد.

(٢) أخرجه البخاري (٢٩٥٥)، ومسلم (١٨٣٩).

قصص القرآن من تفسير السعدي · الصفحة ٢٣٢

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قصص القرآن من تفسير السعديص ٢٣٢