وفي (الوطا) أنهى المزارعون تفقّد أحوال البندورة والخيار في قباب (البلاستيك)، وحوالي الثامنة، سُمع شخيرهم للجقال والكلاب الشريدة أسفل الوادي. إذ أدركوا ببساطة أنَّ لُدغة أفعى في حرش، تكفي لقتل أعتى الرجال، وهو ماجرى لأبي بدر غالباً. ولأنّ (الحيّ أبقى) فالعناية بغلالهم خيرٌ من هدر الوقت في تلقّف الأخبار. مع هذا، لم تنم بقيّة الضّيعة، ولا انفضّ مجلس (آل جحجاح)، ولا مجلس (أبو العتاب)..، ففي التاسعة ليلاً بُرّئ ابن لطف الله من اللحاق بأبي بدر إلى الدّغل ودفعه نحو المنحدر، وأُلصقت التهمة بالحفيد (زين)، إذ أنّ آثاراً لرضوض طفيفة، وبقع زرقاء ظهرت على جسد الميّت عند غسله وكان ظنّها الناس بوادر تصلّب شرايين أو اضطرابات جلدية مزمنة، فلاشك أنّ بدراً وزوجه دَفعَا (زيناً) للإطاحة بجدّهِ، فغياب مراهق زمناً في دَغلْ لا يستدعي انتباهاً لسهولة الانسلال، وخفّة الحركة، وقلّة الطّلب. بينما يصعب على الأب مبارحة بيت لا يغادرُهُ ضيف إلاّ ليدخلهُ جار أو قريب.
وفي العاشرة، أجمعَ الرأي –ونادراً ما يُجمع- على سمسار أراضي في ضيعتنا يقال لهُ (أبو غاندي) الدلاّل. وكانَ شَهِدَ زوراً في قضية نِزاع أبي بدر مع جيرانه على حدود أرضهِ الشمالية… من يومها استحكمَ خلاف بين الرجلين فواحدٌ يتّهم الآخر باللصوصية والبخل والجشع. وذاكَ يُشيع عن صاحبهِ غش الزبائن، وفوضى السمسرة التي تجانب أصول القانون… وقيل أنهُ لدى لقاء الرجلين في المحكمة نشبت بينهما مشادة مُعيبة اضطُرَّت القاضي لرفع الجلسة وتهديد الطرفين، بسبب تصريح (أبو البدر) أنّ شهادة خصمهِ كشهادة (كشّّاش حَمام) وبالتالي لا تُقبل.
وفي الحادية عشرة. احتارَ كثيرون في قاتل أبي البدر: من داخل المنطقة أم من خارجها؟!.
وفي الثانية عشرة توصّلَ أحدهم إلى ما يُفيد أنّ الرجل انتحرَ هرباً من عذاب الضمير وتنامي عداواته. وهذا كانَ كافياً لإنعاش الرؤوس الناعسة، وشدّ السهرات من أذنابها لتطول أكثر.
ونُوِقشَ أمران: انتحرَ مسموماً أم دحرجَ نفسهُ إلى الوادي؟؟… وأُشرعت ألسنة، وسخَنَ جدال، وتناقلت النساء أخبار جديدة، وقُربَ الثانية ليلاً بدأت الأضواء تشحّ والفوانيس تنوس وأخيراً…
نامَ الجميع.
***
في حياتي كُلِّها لم أَعجب لقصة كهذه. فالموت وارد، والجريمة واردة وإن ندرت في منطقتنا ندرة السمك في الجبال.