تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان للحارة الشرقية رأيٌ مختلف في المسألة. فلم يُبتَلى بموت أبي البدر شخص من قريته، حين يكثر في الجوار خصومه والمتضررين من تربّصه الذئبي بفرص مصادرة أملاكهم لحنثهم بميثاق معه... لعلّه (أبو فريد) فاعلها أو (أبو جنادة) الذي أحرق زيتونه ذات سنة ودخل السجن ثم خرج بكفالة.

بقي في البلدة مكانان: حارة (الضّهر) وحارة (الوطا).

أما (الضّهر) التي وصلها الخبر متأخراً لتوغّلها في حرش جبلي ناء، فقد استنكرت موتاً لأبي بدر بغير تدبير القضاء والقدر سيّما لكبر سنّه، ودعت أهالي الحارتين الشرقية والغربية للكفّ عن إيقاد الفتن ورجم الناس بتهم باطلة. وذكّر أفراد العائلات الأربع التي تؤلّف الحارة في كلام نقل للمختار لاحقاً أنّ حماقة أهل الحارتين وسماجتهم. أهمّ أسباب لجوء هذه الأُسر للجبال فهنا تبدو الضباع والثعابين والذئاب أكثر أنساً.

بقي (الوطا).. وقد لاذ أهلوه بصمت غريب، وانصرفوا بعد الحادثة إلى بساتينهم السهلية دون تعليق سوى: (أكل عمره) و (يرحمه الله).

عند المختار في الحادية عشرة، كان مصباح أصفر شحيح يضيء البيت الطيني، تدافع حوله فراش وناموس وانبعثت من حجرة مجاورة رائحة روث البقر. وكان مأمور التحقيق يواصل لملمة شكوك كبير الضيعة وأعيانها حول قاتل (أبو البدر). وغادر واعداً باستدعاء طبيب شرعي، بعدما أثقل رأسه التعب، وروائح المكان... وترك لحراسة الجثّة عنصران.

في منتصف الليل نامت حارة الضّهر على سُخط وتبرّم، وتغيّرت قناعات أهلها نصف درجة، فإن كان لابدّ لأبي بدر أن يموت مقتولاً فقد مات (فقْعاً) من مكائد الناس، وإلاّ ماعثر عليه نائماً بين أشجار صنوبر نائية، لائذاً بفرار لتتاح له السّكينة إثر شجار مُرّ مع أبنائه. وعموماً تبقى الجريمة مستبعدة في بلدة فُطرَ ناسها على بساطة وطيبة حتى لَتَرقّ قلوبهم لمقتل شاة.

قصص الخط الحديدي · الصفحة ٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قصص الخط الحديديص ٦