تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بدأت الحرب باضطرابات وإضرابات متفرقة استهلكت شهوراً قبل أن تعمّ البلاد. وحُكيَ عن إصلاحات ومصالحة يلتمّ بها الشّتات. وكنت صغيراً على فهم مايجري، لكن الفهم وعدمه سيّان في هكذا أحوال. فقد استحكم الخوف على الجميع، وجرت اشتباكات جماعية وفوضى ولصوصية. وخزّنت السّلعَ وغلت الأسعار، وكان طبيعياً أن تغلق المدارس وتتحول إلى ثكنات عسكرية، ومنها مدرستي (ديمانش) مما أغبطني، فقد ارتحتُ من نصوص القراءة الفرنسية التي لا أفقه منها حرفاً. ومع خروج أول طلقة غضب، أعلن استنفار، وقسمت الأحياء بالمتاريس، وهرع الناس إلى الملاجئ مفزوعين.

بدأت المعارك بالعصي والسكاكين والحراب وتطورت إلى مسدسات وبنادق ورشاشات وقنابل… وكانت القذائف تثقب حيطان البيوت، وتُطوّح بالفراندات، وتبقر واجهات المحالّ،… ويعلو الصراخ مع كل قنبلة تسقط قريباً من الملجأ أو رصاصة تصيب منه جداراً أو تخترق نافذة. وتعلّمنا ـ نحنُ الأولاد ـ أن نفتح فمنا، ونسد آذاننا كي لا نهلع..، ولم يمنعنا هذا من الإحساس بارتجاج الأرض، أو تقوّض أركان المكان، أو التماع السماء كلما حدث انفجار.وخلال أيام تحولت الحارة ـ كغيرها ـ إلى مقر لثلّة من المسلّحين لا نعلم سوى أنهم طرف في حرب دائرة.

وكنتُ أواجه أهوال الحرب بالبكاء، والالتصاق بحضن أمّي، وتعودّتُ على التبول باللاشعور، والإقياء لمرأى فئران تسرح في الزوايا، وصراصير تدبّ على الحيطان نتيجة حفظ بقايا الطعام في الملجأ، إذ يصعب أحياناً المجازفة بالخروج وإلقائها في الشارع. وكان يحدث لـ/جانو/ و/ميشو/ وسائر رفاقي عوارضي نفسَها. وبالنسبة للكبار فالجزع والصراخ وحضن الأولاد ينتقل بالعدوى والغريزة، ويستمر الحال على مد وجزر حتى تُعلن الهدنة، فيخرج الكل لتفقّد المنازل والأرزاق، وللتبضّع السريع.

قصص الخط الحديدي · الصفحة ٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قصص الخط الحديديص ٣٥