ويصعب ـ واللعب في أَتونْهِ ـ أن نُبالي ببيت أو غداء أو فرض مدرسي ينتظرُنا دون أن تُرسل أمهاتُنا في طَلَبنا، أو يأتينَ بأنفسهن مُغضبات فيسحبننا من شعرنا أو قمصاننا، فمن انصاعَ لأمهِ مضى معها خَجِلاً أو محزوناً أو ناقماً. ومن عصاها لازمَ السكّة بعضَ وقت حتى إذا لمح أباه عائداً إلى البيت سبقه إليه ملتمساً كتمان السر، وإلاّ عادَ من تلقاء نفسه متضوّراً جوعاً.
وفي طريقنا إلى المدرسة تعترُضنا السّكة الحبيبة ذهاباً وإياباً. فنتفنن في عبورها، فَـ /جانو/ مثلاً يُحلّق كرمح عابراً الجسرَينْ بوثبة جريئة يُعينهُ طول ساقيه. ويعتمد /شحّود/ على طول جذعهِ وخفّتِهِ فيندفع راكضاً على مسافة من الجسر الأول، يلقي بثقلهِ على كفيه ليحطّ على قدميه ويستقيم واقفاً وراء الجسر الثاني، فتنفلت (الآه) من شفاهنا إعجاباً رغمَ علمنا أنه يتلقّى دروساً في (الجمباز). أما أنا وأمثالي ممن قلّت حيلتُهم فنقطع السكة قفزاً على رجل واحدة أو بالمصالبة بين الساقين، أو نمشي على ركبنا كأسرى حرب، وقد نقتدي بالبنات فنُدير ظهورنا ونمشي إلى خلف متراً أو مترين. المهم أن نجتاز سكة القطار بطريقة فريدة، فهي معبر عزيز على الكبار أيضاً وإلا ما اختارها العاشقون والمسنّون ومرضى القلب وأنصار النّحافة (لطقّ) المشاوير مساءً كلٌ لغايةٍ خاصة.
سألتُ نفسي مراراً عن موقف أصحاب الأحياء الأخرى من القطار: أيحبُّونه مثلنا؟ أم يتضجّرون من هديره الصمّام وهباب أسود يباغت الشرفات والسطوح (فيعقّم) لهم الغسيل؟ ربما لا يتأثّرون لأنّ مسار الخط الحديدي يبدأ في تباعد تدريجي عن المدينة قبل مغادرة حيّنا متابعاً مرحلة موحشة من السير عبر أنفاق جبلية مهجورة، ولا يُعلم إن كانَ يعاودَ الاقتراب من البلد…
قبيل العبور الليلي للقطار، أستيقظ عفوياً لأصغي لنواحه الحزين، فأتصوره يزرع الكون كله حضوراً. وأتساءل إلى أي مكان في العالم يمضي؟ وفي أي المحطات يمر؟ وأي ناسٍ يحمل؟ فيما يغدو صوتُهُ أشد وضوحاً ونغمته أعمق حزناً عنها نهاراً. وعلى بحة ناي أثيرة، ومرثية ساحرة أغمض أجفاني فيردد الصدى:
ـ آوووو…. شك شك شك شك
…… شك شك شك شك
ثم نشبت حرب داخلية… فتوقفت أسئلتي.
***