من الضروري أن نشير هنا، إلى أن باختين لايعد التناص ظاهرة لسانية، ولايعد اللسانيات مجال دراستها، وإنما هي لديه ظاهرة (عبر لسانية) أي خاصة بالخطاب، لا اللغة(13).
وإذا كان التناص هو قانون النصوص جميعاً، وهو كالهواء والطعام والشراب بالنسبة للمنشئ والقارئ معاً، فإن البعض يرى ضرورة الفصل بينه، مصطلحاً وبين مصطلحات أخرى، كالسرق، والأدب المقارن، والمثاقفة، ودراسة المصادر (14)، تجنباً للخلط وتوخياً للدقة العلمية. ويضع البعض شرطين أو دعامتين للتناص، هما أشعار القارئ بصورة ما، إنه إزاء نص مناصص، "أوتذويب نص الآخر ومحوه وإعادة خلقه بالكامل، بحيث لايعود أكثر من ذكرى بعيدة أو مصدر إلهام للنص بين مصادر أخرى"(15). وإذا كان هذا يصح على التناص "الواعي"، فإنه يتجاهل النمط الثاني ألا وهو التناص غير الواعي. والذي نعتقد أنه المهيمن على النصوص بصورة لايدانيه فيه التناص القصدي والواعي.
-2-
التناص، أنواعه، وظائفه:
الشاعر أو الكاتب، وهو ينتج نصه، إما أن يعيد إنتاجاً سابقاً له بصورة معينة، أو يعيد إنتاج ما أنتجه غيره، ومعنى هذا أن التناص إما أن يكون داخلياً، أو خارجياً، وفي كلتا الحالتين فإنه من المبتذل أن يقال أن الشاعر أو الكاتب يمتص آثاره السابقة أو يعيد كتابتها أو يحاورها ويتجاوزها، كما أنه من المبتذل أن يقال أنه يمتص آثار الآخرين أو يعيد كتابتها أو يحاورها أو يجاوزها، بل يجب موضعة نصه أو نصوصه مكانياً في خريطة الثقافة التي ينتمي إليها، وزمانياً في حيز تأريخي معين" (16)، وكما يكون التناص خارجياً أو داخلياً، فكذلك يكون في الشكل كما في المضمون أيضاً (17)، والبحث هذا مخصص لدراسة التناص الخارجي فحسب.
ولكي نقف على معناه وخصائصه، أنواعه، وظائفه، آلياته، لابد أن نستعرض عدداً من التعريفات التي قيلت فيه، ومنها تعريفات:
1-جوليا كريستيفا: "هو التقاطع والتعديل المتبادل بين وحدات عائدة إلى نصوص مختلفة"(18).