والواقع إن وقف الزمن والحكاية وتغييبها هو ظاهرة أو خصيصة تشمل الخطاب السردي أياً كان جنسه فالراوي لايسرد أحداثاً وإنما يصف الأشياء والأماكن التي تقع فيها الأحداث والشخصيات التي تقوم بالأحداث من الخارج والداخل كما ينقل كلام هذه الشخصيات الذي من شأنه أن يوقف الحكاية ويغيب الحدث في كثير من الأحيان، وفضلاً عن ذلك فإن الانقطاع ظاهرة قد نجدها في أية قصيدة قديمة، مثل معلقة امرئ القيس، وليس مقصوراً على القصيدة الحديثة، وربما وجدنا بل نحن واجدون قصائد سردية لاينقطع الحدث والسرد فيها، إلا مع المتواليات المتوازية(63)، والتوازن النحوي، والقصيدتان اللتان أوردناهما هنا دليل على ذلك.
وكما أن إيقاف السرد وتغييب الحدث والمحور التمثيلي ليست أموراً مطلقة في القصيدة السردية، كذلك فإن كسر المحور التمثيلي أو محور الكناية والانتقال إلى محور الاستبدال والاستعارة ليس مطلقاً في مثل هذه القصائد، فلكل قصيدة سردية نظامها الخاص بها، وثمة قصائد سردية حديثة تقوم بكاملها على المحور الكنائي ومع ذلك لا يمكن وصفها بأنها غير حداثوية، كما هو الأمر في قصيدة الشاعر سامي مهدي "الرجل والكلب"(64) التي تروي حكاية رجل يموت بموت صاحبه الكلب!.
"رجل في الثمانين كنت أحييه في كل صبح، بإيماءة عابرة... كان يقبلها، ويرد عليها بإيماءة مثلها، ثم يلقي على بيته نظرة حائرة..
هو جاري، وللناس جيرانهم حين ينتبهون، ولكن ما بيننا لم يزدْ قط عن هذه اللغة الفاترة...
مولعاً كان بالمشي، يؤنس كلباً له في الطريق، أو الكلب يؤنسه، الأمر سيان، شيخ وكلب، وكلب وشيخ، رفيقان في نزهةٍ عاثرةٍ"