وعلى العكس من قصيدة السياب، فإن قصيدة عبد الصبور تنطوي على حبكة واضحة، ودوافع الفعل لدى الشخصيات واضحة، إذ يدفع الاغتراب والوحدة رجلاً وامرأة وبدون مقدمات أو معرفة سابقة، للقاء بعضهما، لقاءً جسدياً حاراً، ثم ينتهي ليفترق الاثنان كما التقيا إلا أن التوازي ومايدعوه "ياكبسون" بالمفاهيم أو التوازيات النحوية(34) تتضامن أيضاً مع عنوان القصيدة، وتسهم في كسر أو إحباط ساردية القارئ كقول الشاعر مثلاً:
"لما رأينا الشمس في مفارق الطرق
مدت ذراعيها الجميلتين
مدت ذراعيها المخيفتين"
وكقوله أيضاً، مؤكداً دافعي الحياة والموت والإحساس الشديد بالزمن وبالموت في ظل الحضارة الأوروبية الحديثة:
"لما دخلنا في مواكب البشرْ
المسرعين الخطوَ نحو الخبز والمؤونة
المسرعين الخطو نحو الموت
وثنائية الحياة- الموت هذه تتمظهر في ثنائيات عديدة في القصيدة كالروح -الجسد /المادة- والشبع/ والجوع/ والتيه، مشكلة محور التوازيات والصور النحوية في القصيدة.
وللإجابة عن السؤال عن أهم الفروق بين القصيدة الغنائية والأجناس الأخرى، لابد من عرض أهم الآراء التي قيلت في هذا الموضوع. وسيكشف البحث عن مدى التناقض والاضطراب اللذين يجدهما الباحث لدى النقاد ومنظري الأدب، بصدد بعض مسائل التجنيس.
ومن المعروف أن التعريف الشهير القائل بأن الشعر الغنائي: "هو الذي يبقى فيه المحاكي هو هو(35) ينسب في كتب الشعرية إلى أرسطو، وبالعودة إلى شعرية أرسطو نجد أن هذا التعريف يطلق على ذلك الجزء من الملحمة الذي يتكلم فيه الشاعر بصوته هو(36) لا بصوت الشخصية، وربما كان من الأنسب أن ينسب التعريف إلى أفلاطون (37) الذي قسم طرق المحاكاة إلى ثلاث، لا إلى أرسطو الذي اختزلها إلى اثنتين هما السرد والتمثيل- متجاهلاً الشعر الغنائي- كما أوضح جنيت(38).