تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي المجتمع العربي، وفي أجزائه الأكثر تطوراً والتي أنجبت فن الرواية كانت مرحلة مابعد الحرب الثانية، وما نشأ فيها من تحلل لقوى اجتماعية قديمة ونشوء قوى اجتماعية جديدة تصدرت قيادة المجتمع والتغيير الاجتماعي كانت المرحلة التي أنجبت الرواية ذات الرؤية الاجتماعية والمشهد الشامل، إلا أن التغيير الذي وقع بعد الخمسينات أدى إلى قيام دول شديدة المركزية في هذه المجتمعات تركت مؤسساتها الشاملة والكاملة آثاراً سلبية خطيرة على الفرد، مما أصبح ينوء به من ثقل باهظ تضعه هذه المؤسسات على كاهله. وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار البنية الزراعية المتخلفة لهذه المجتمعات أدركنا حجم الهيمنة الكبيرة لهذه المؤسسات وما تؤدي إليه هذه الهيمنة من مصادرة للكائن البشري ولحقوقه وخاصة في تلك المجتمعات التي نهضت فيها الدعوة إلى العدالة الاجتماعية، وقامت بنيتها الاقتصادية على أساس غير رأسمالي لتنتهي إلى ظهور طبقات مستغلة جديدة بعد أن أزاحت الطبقات المستغلة القديمة. إن هذه العوامل وما أدت إليه من إحساس عال بالفردية ومن اغتراب وتحطيم لوحدة الإنسان والمجموعة البشرية. أدى إلى تراجع الرؤية الاجتماعية في الرواية وازدهار الرؤية الدرامية. وقد عبرت هذه الرؤية الدرامية، وهذا الإحساس بالفرد عبرا عن نفسيهما في أساليب السرد وبناء الرواية كما رأينا. إن الرواية الجديدة لا تناضل ضد اغتراب الإنسان عن طريق مضامينها فحسب بل هي تناضل ضد كل العناصر الصانعة لاغتراب الإنسان عن طريق بنائها وأساليب السرد فيها أيضاً بما تمنحه هذه الأساليب وهذا البناء، من اهتمام عال بالفرد وبرؤيته الخاصة، وللحقائق من دلالات بعيدة عن الإطلاق.

(((

( الهوامش

1 - برسي لوبوك صنعة الرواية، ترجمة: عبد الستار جواد، دار الرشيد، بغداد، ص 225.

2 - فرانك كرمود الرواية والسرد، ترجمة: محيي الدين صبحي- مجلة الآداب الأجنبية العدد 3 السنة الرابعة، ص 172.

قراءات في الأدب والنقد دراسة · الصفحة ٢٨٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قراءات في الأدب والنقد دراسةص ٢٨٦