تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن المراحل الأولى لظهور فن الرواية الحديث، شبيهة إلى حد كبير بتلك المرحلة التي نشأ فيها فن الملحمة لدى الشعوب البدائية، والتي تسمى بمرحلة الديمقراطية العسكرية، ففي كلتا الحالتين تكسر المجموعات والسلالات البشرية أطواق الحياة الضيقة، لتخرج إلى حياة أوسع، تتيح للشاعر(1)ذلك الوصف الملحمي التفصيلي للحياة، كما تتيح للفرد بروز (أناه) بعد أن كان منصهراً في الجماعة البشرية، وكلتا المرحلتين في التاريخ القديم والحديث شهدتا اندماج هذه (الأنا) بالكلية الجوهرية للأمة وحالاتها وطرق تفكيرها، (53) ولقد كانت هذه الحالة (الملحمية) من انسجام الفرد مع الأمة وانسجام الإحساس مع الإرادة، التربة الخصبة التي نشأ فيها فن الملحمة قديماً، كما كانت مثل هذه الحالة- التي ولدت مع خروج التاجر الجوال إلى الحياة الأوسع بعد أن حطمت قواقع الحياة الضيقة- التربة الملائمة التي ولد فيها فن الرواية الحديث ولم يكن ظهور الدول المركزية في الحالة الأولى يؤدي إلى موت واختفاء العناصر المثيولوجية في الملحمة، بل كان يؤدي إلى موت الملحمة نفسها مفسحاً الطريق للأدب الدرامي من جهة، والغنائي من جهة أخرى. أما في التاريخ الحديث فإن قيام مثل هذه الدول، أدى إلى موت الرواية (الملحمية) الكلاسيكية، ومافيها من رؤية اجتماعية مفسحاً الطريق أمام الأدب الدرامي والرؤية الدرامية للحياة من جهة، وللأدب أو الشعر الغنائي من جهة أخرى. ولقد استمرت المرحلة الأولى حتى بداية العقد الثاني من القرن العشرين ثم تلتها مرحلة أنجبت بنية روائية يضمحل فيها البطل ويتلاشى لتحل المؤسسات أو العائلة محله واستمرت حتى نهاية الحرب الثانية، لتحل محلها بنية روائية يتلاشى فيها الإنسان وتحل الأشياء محله كما هو الأمر في الرواية الجديدة.

(1) كلمة "الشاعر"، مستعملة هنا بمعناها الأرسطي.

قراءات في الأدب والنقد دراسة · الصفحة ٢٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قراءات في الأدب والنقد دراسةص ٢٨٥