أما رواية (الرجع البعيد) فهي لا تطرح موضوع مصادرة حرية الإنسان وحقوقه بشكل مباشر بل تقول ماقالته الروايات الأخرى عن طريق بنائها وأحداثها ومصائر هذه الأحداث وإن كنا نجد في استرجاع) كريم لحادث التحقيق معه في موت صديقه فؤاد إشارات واضحة إلى موضوع العنف "كان ضابط البوليس.. يقف كالطاووس بعينين ملتهبتين ويتخذ شكل أحد ضباط الجستابو مرة وهيئة رجل من رجال محاكم التفتيش الإسبان مرة أخرى". (51) وينبغي فهم محاولة مدحت للخروج من الحصار، في مستواها الرمزي لا الواقعي، ذلك أن هذه المحاولة اقترنت بتخطيه وتجاوزه لكل القيم الاجتماعية الموروثة ولكل "قذارات أجداده وتفاهاتهم وعقدهم وجنون حبهم للشرف والقتل"،(52). ولكن مدحت الذي يقرر الخروج من غرفة (حسين) والعودة إلى زوجته (منيرة) يسقط ويموت برصاص الجنود المحاصرين للحي وبفعل قوانين كونية واجتماعية عاتية لا ترحم، شأنه شأن معظم أبطال التكرلي الذين يناضلون بقوة ضد هذه القوانين لكنهم لا يلبثون أن يسقطوا ضحايا لها. وليس عجيباً أن يعمد الكاتب إلى اختتام روايته بهذا الجزء من الفصل (12-الزخم والبقاء) رغم أنه ليس الأخير من حيث التسلسل الزمني لأحداث الرواية، ذلك أن كفاح مدحت البطولي للخروج من الحصار نحو الحياة، ومايكمن فيه من دلالة رمزية، وموته الذي يتعانق فيه مصيره الكوني بمصيره الاجتماعي- على نحو يندر له مثيل في الرواية العربية- هو مايمنح للرواية قيمتها الفكرية والفنية.
قراءات في الأدب والنقد دراسة · الصفحة ٢٨٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
قراءات في الأدب والنقد دراسةص ٢٨٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي