وفي كل الوحدات الأساسية المكونة للبنية القصصية، كانت قد هبت في الخمسينات، ولقد عزا معظم النقاد والدارسين هذا التغيير الكبير، أو ما دعي بنزعة الحداثة" إلى جهود عبد الملك نوري القصصية، وإلى جهود فؤاد التكرلي من بعده، إلا أننا، خلافاً لهذا الرأي(27)، نعتقد بأن جهود قاص آخر، هو "نزار سليم" في مجموعته "أشياء تافهة" كان لها هي الأخرى دورها الكبير في وضع القصة العراقية على طريق الحداثة، فلأول مرة، يبحث القاص عن موضوعات لقصصه في ما هو مألوف وتافه، ولم يعد بطل القصة مشغولاً بهاجس اجتماعي أو سياسي كبير، بل أصبح هذا البطل يتكشف، وتتكشف أبعاده السيكولوجية والاجتماعية من خلال الأشياء المغرقة في عاديتها؛ كالفأر في قصة "الفأر" التي تشغل بطلها حركة فأر في غرفته، وجد فيه شبهاً بالفتاة التي بدأ يقيم معها علاقة حب، أو عقب السيكارة وهو يخترق ليطل منها البطل على تجربة كاملة وقعت في الماضي في قصة "عقب سيجارة" أو الأرق والتفكير بالربح وبتغيير الوضع الاجتماعي، الذي يأمل بطل القصة تحقيقه من خلال بطاقة نصيب في قصة "نصيب". لقد تغيرت إذن الرؤيا والمنظور والموضوع ولم يعد القاص يكرس نفسه لقضية اجتماعية أو سياسية، يحشو بها رأس القارئ بطريقة وعظية تلقينية مملة، ولم يعد القاص ملحقاً بالمؤسسة الاجتماعية؛ فلقد تقدمت الشخصية إلى مقدمة الصورة، وتراجع الموضوع إلى خلفيتها، وما عاد الوضع الاجتماعي ليشكل سوى اطار لهذه الصورة، ولم يكن هذا التحول في القصة وفي العلاقة بين وحدتها الأساسية يسيراً، فلقد تحولت الرؤيا والمنظور والموضوع والحدث والشخصية، ونتيجة لهذا التحول الكبير والخطير أصبحت الشخصية القصصية وأزماتها وصراعاتها النفسية الوحدة الأساسية في البنية القصصية.
قراءات في الأدب والنقد دراسة · الصفحة ١٨٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
قراءات في الأدب والنقد دراسةص ١٨٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي