تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد أطلق الناقد العربي كمال أبو ديب تسمية "لغة الغياب"(14) على هذا النهج الشعري الجديد، ولكن "لغة الغياب" لا تعني لديه الانقطاع أو المجاورة، بل تعني لديه أساليب التعبير الجديدة في القصيدة الحديثة- كالمعادل الموضوعي، والقناع، والمرايا، والأسطورة بكلمة؛ كل ما يغيب صوت الشاعر الغنائي ويدفع بالقصيدة الغنائية باتجاه أشكال التعبير الموضوعي المعروف في الأجناس الأدبية غير الغنائية وعد الانقطاع واحداً من تجليات (لغة الغياب)، مع أنهما في رأينا ظاهرتين مختلفتين تماماً.

يعد أي عنصر في الرسالة منقطعاً "عندما لا ينتج عن حذفه أو تغيير مكانه، أي انقطاع في الوحدة أو التسلسل الفكري للرسالة(15). وفي قصيدة الشاعر "سامي مهدي" "غروب" مثل لهذا الانقطاع، يقول الشاعر:(16)

"رحلة تستمر

ولكن إلى أين؟

كل الدروب

يضيق

ويفضي إلى بعضه،

والذنوب

تتكاثر

والشمس تغرق في دمها

والغروب

يجر غلائله فوقها

ثم يركسها في القلوب

إلى هنا والقصيدة تبدو متجانسة، بالرغم من الانقطاع الماثل فيها على مستوى الجملة الشعرية، فقد عطف الشاعر جملة و"الذنوب تتكاثر" الاسمية، على جملة اسمية قبلها هي كل الدروب يضيق ويفضي إلى بعضه بالرغم من افتقارهما إلى جامع يضمهما باستثناء كونهما جملتين خبريتين غير إنشائيتين وتركيبهما النحوي واحد إذ لا يبدو ثمة علاقة عقلية بين الدروب والذنوب، فالأولى مادية حسية والثانية معنوية. ولكن هذا الانزياح يمكن نفيه إذ ما فهمنا الغروب بالمعنى الشائع والمعروف، وهو الشيخوخة، وإن الرحلة هي رحلة الحياة التي تنتهي بالموت، وإن كل إطالة لهذه الرحلة تنطوي على إطالة مماثلة في الذنوب التي يرتكبها المرء، ولكن الشاعر يفاجئنا باستئناف الكلام، بحيث تبدو الحركة الأخيرة في القصيدة التي تبدأ بقوله "وهنالك في الخانق الجبلي" منقطعة عما قبلها، بحيث لو حذفناها لبقيت القصيدة قائمة دون نقص:

"وهنالك في الخانق الجبلي

رجال يبيتون ليلتهم

قراءات في الأدب والنقد دراسة · الصفحة ١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قراءات في الأدب والنقد دراسةص ١٥