... ثم صليت صلاة الفجر صباحَ خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله منا – قد ضاقت عليَّ نفسي، وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت – سمعت صوت صارخ صعد على جبل سَلْعٍ يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر.. لم أتمالك نفسي إذ سمعتُ البشرى فخررت ساجداً لله أبكي وأحمده، أبكي وأستغفره، أبكي وأشكره، وعرفت أنه قد جاء الفرج من الله تعالى، فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله عزَّ وجلَّ علينا حين صلى الفجر، فذهب الناس يبشروننا.. أرأيت يا كعبُ عاقبة الصبر؟ إنها التوبة من الله تعالى، ينتظرها رسول الله لك ولصاحبيك، وينتظرها الناس لك ولصاحبيك، إنهم يحبونكم. أيها الثلاثة، هكذا المجتمع المسلم المتماسك، يلتزم أمر الله تعالى فيمتنع عن كلامكم، لا عن هَجرٍ وقِلى، إنما عن امتثال وطاعة ، وقلوب الجميع ترجو لكم التوبة والمغفرة... ها قد جاءت، فسمعتَ صوت أحد إخوانك يبشرك، ولمّا يصلْ إليك... انطلق جمع من المصلين يبشرون مرارة بن الربيع وهلال بن أمية بما أنعم الله عليهما من التوبة، وامتطى أحدهم فرسه مسرعاً إليك، وسعى رجل من عشيرتك إليك مبتهجاً، فصعد الجبل كان صوته أسرع من فرس ذاك، وفي كلٍّ فضلٌ وخير، ولم تتمالك نفسك أن نزعت ثوبك لصاحب الصوت، بل أعطيته ثوبك الثاني ولم تكن تملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين غيرهما وانطلقت إلى حَبِّ القلوب، وضياء الأفئدة، وصاحبِ الرسالة العظمى، انطلقتَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والناس يتلقونك فوجاً فوجاً يهنئونك بالتوبة، ويقولون لك: ليهنِك توبةُ الله عليك، حتى وصلت إلى المسجد ودخلته إلى رسول الله ، العزيزِ عليه ما اعنتك، الحريصِ عليك، الرحيم ِبك وبالمؤمنين، فإذا هو يبرُقُ وجهه من السرور فيقول لك: "أبشر بخير يوم عليك مذ ولدتك أمُّك"، أهناك أجمل من هذه البشرى؟ أهناك أعظم من هذه البشرى؟ لا ورب الكعبة.
قراءة في غزوة تبوك · الصفحة ٥٤
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
قراءة في غزوة تبوكص ٥٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي