... ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورّى بغيرها، وأوهم أنه يريد سواها، والحرب خدعة، فكان المشركون يُؤخذون على حين غَرّة، ويخافون أن يدهمهم المسلمون كل لحظة فكانوا –دائماً- على خوف ووجل، وزرع الله في قلوبهم الرعب والفزع فما يقرٌّ لهم قرار، وهكذا يجب أن يكون المسلمون مع أعدائهم... إلا في هذه الغزوة فقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين بوجهته التي يريد، لأسباب عدة منها:
1- أن المسافة بين المدينة وتبوك طويلة جداً.
2- وأن الطريق مفاوز وصحارى، يجب الاستعداد لها أتم الاستعداد.
3- وأن العدو قوي عُدَّةً وعدداً، فهم الروم أكبر دولة،وأشرس عدو.
4- وأنه صلى الله عليه وسلم يريد تجنيد أوفى عدد من المسلمين، فأرسل إلى القبائل كلها يأمرهم أن يشتركوا في هذه الغزوة.
5- وأنه يريد أن يثأر للمسلمين في غزوة مؤتة من عدوهم الذي فاق عدده المسلمين عشرات المرات.
6- وأنه مصمم على إثبات وجود هذه الدولة الناشئة في جزيرة العرب، وعلى الروم أن يفكروا ألف مرَّة قبل أن يهاجموها.
وأجاب المسلمون نبيَّهم، فوفدوا إلى مدينته صلى الله عليه وسلم، فكانت تَعُج بهم، بعضهم حمل معه جهازه، ومنهم مَنْ سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجهِّزَهُ، ودعا رسول الله المسلمين إلى البذل والعطاء، فالأمر يحتاج إلى ذلك، وبَذل المسلمون، فهذا الصديق رضي الله عنه يضع بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم كلَّ ماله، وهذا عمر رضي الله عنه يقدم نصف ما يملك، وهذا ذو النورين عثمان رضي الله عنه يجهز الحملة كلها، فقدّم ألف بعير محمَلٍ بالزاد حتى دعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم له بالخير، وبشره بالجنة فقال: "ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم".
... ... ولم يبخل الصادقون منهم بما يستطيعون، وهل يمتنع المسلمون عن اكتساب فرص الفوز برضا ربهم جلَّ شأنه ونبيهم الكريم،؟! إنها نفحاتٌ مَنْ تعرَّض إليها أفلح ونجا.