هذه هي صورة الأزهر أيام كنت طالبا به؛ أي من نحو خمسين عاما، ولكنه تغير ككل شيء كما تقول الأغنية البلدية:
كل شيء في الدنيا اتحول
وحبنا مش زي الأول
والحق أن للأزهر ميزات: منها أنه رفع راية الثقافة، يوم حوربت الثقافات حتى انكمشت، وأنه كان قبلة المسلمين في الأقطار الإسلامية كلها، وأن منهجه في التدريس يعلم طلبته الصبر والدقة فلا يقبلون من العبارات إلا ما كان دقيقا منطقيا، ومركزا، ولهم صبر طويل على تفتيتها وشرحها.
الأزياء:
من أكثر ما يلفت النظر إلى المصريين تنوع أزيائهم، وخصوصا الرجال، وهذا ما يدهش الأجنبي إذا زار مصر لأول مرة فهم يجدون العجب من اختلاف هذه الملابس فجبة وقفطان وعمة، وجبة وقفطان وطربوش، وجلابية وطربوش، وجلابية وطاقية، وبدلة إفرنجية وغير ذلك مما لا تجد له نظيرا في اللبس الأوروبي، وكذلك المرأة: ملاءة لف، وحبرة؛ وغير ذلك.
والذي يلاحظ الآن التغير السريع في الأزياء فالنساء تغيرت أزياؤهن بعد السفور تغيرا كبيرا، وقبل السفور كانت تتغير عادة الأزياء من حين إلى آخر فمثلا كانت ثياب النساء في الطبقة العليا والوسطى في عهد محمد علي قميصا من حرير مختلف الألوان إما أبيض أو ورديا أو بنفسجيا أو أصفر أو أزرق ويزركش غالبا بالحرير أو أسلاك من ذهب، ويكون واسعا جدا وعريض الأكمام وقصيرا، ثم (شنتيان) يلف به الخصر بواسطة تكة تمر في باكية بأعلاه ويربط من أسفل بالساق ثم يسبل إلى القدمين، ثم (يلك) وهو ثوب يلتصق بالقامة وينسدل إلى القدمين ويلف الجسم بإزار من أمامه من فوق إلى تحت، ويكون مفتوحا من الجانبين وحزام يحيط بالوسط من حرير أو كشمير أو نحو ذلك، ويلبس السيدات فوق اليلك جبة من الجوخ في فصل الشتاء مقورة من الأعلى وتكون مفتوحة.
أما غطاء الرأس فطاقية حمراء صغيرة يلف حولها منديل من حرير مزركش وتوضع في مقدمة الطاقية صفيحة مستديرة ويسميها النساء (قرصا)، والأغنياء منهن يصنعنها من ذهب ويرصعنها بالأحجار الكريمة.
وهن لا يقصصن شعورهن بل يتركنها، أو يضفرنها ضفائر في النهار أو في الليل، وفي السهرات يتحلين بالحلي الكثيرة كالأقراط والعقود والخواتم والأساور.
ثم دخل على ذلك تغيير كبير في عهد الخديو إسماعيل، فكن يلبسن كذلك الشنتيان، وهو سروايل واسعة تمكن السيدة من الجلوس على الشلتة، وفوق الشنتيان صديري بدون أكمام وفوقه اليلك وهو رداء طويل، وعند الخروج يلبسن الفرجية وهي أشبه بالعباءة الواسعة، ويضعن على رؤوسهن العزيزية وهي غطاء للرأس مغطى من الداخل بقماش وفوقه ورد صناعي وتحته اليشمك يغطي الوجه، وهو من القماش الشفاف.
أما الرجال فكانوا في الغالب يلبسون العمامة سواء في ذلك الأغنياء أو غيرهم والجبة والقفطان والحزام، ثم دخل التغيير على لباس الرجال والنساء جميعا، فالنساء أصبحن يخرجن بالفساتين التي يلبسنها في البيت على شكل أجمل، والرجال فشا فيهم اللبس الإفرنجي من جاكتة وبنطلون حتى بين رجال الأزهر ودار العلوم ... وفشا لبس الطربوش أخذا من الأتراك.
أما الفلاحون فهم كعادتهم يلبسون الجلاليب الزرقاء، وقليل منهم يلبسون الزعابيط، وهم يحتفظون بالعمامة على الرأس، وأكثرهم يسير حافيا من غير جزمة ولا مركوب، والنساء يلبسن الجلاليب السود الطويلة ويغطين رؤوسهن عند الخروج بمنديل ووجوهن بالطرح ويتحلين بالحلق، وأحيانا بالخلخال وأحيانا بالأساور.
وكل أمة تريد الإصلاح عادة، توحد زيها كما فعل الأتراك في ثورتهم فلم يستثن منهم في لبسهم إلا رجال الدين الرسميين فقد سمح لهم بالعمامة، أما سائر الشعب فقد فرض عليهم لبس البدل الإفرنجية والقبعات، حتى المؤذنين، وذلك شعورا بأن توحيد اللبس أول عمليات التجديد؛ لأنها تبعث في النفوس نشاطا، وقد بدأ المصلحون في مصر يفكرون أيضا في توحيد الزي.