والغناء موضوعه الحب غالبا والمصريون أميل إلى النغمات الحزينة لما تواتر عليهم من ظلم الحكام واستبدادهم، وهم لا يسمعون الغناء في صمت وسكون كما يفعل الأوروبيون ولكنهم يهيصون ويهللون، ويعتقدون أن في ذلك تشجيعا للمغني والمغنية؛ من مثل قولهم: الله الله! كمان يا عيني! ونحو ذلك.
وإذا أتم قارئ القرآن، قراءته بالغناء قالوا له: أحسنت، ومنهم من اعتاد أن يغني غناء خاصا للتعاون على الصنعة كالفعلة، وأرباب المهن الصغيرة؛ كأن الغناء يسليهم عن متاعبهم، كالحداء للجمل وكالمراكبية؛ ولهم أغان خاصة بهم، وكبائعي حب العزيز، وكالسقايين، وقد يتوارثون الأغاني من عصر إلى عصر، مثل أغنية «الحنا يا حنا يا قطر الندى» فيظن بعضهم أنها ميراث من العهد الطولوني، أيام زفت قطر الندى بنت خماروية إلى الخليفة العباسي. والمغنون من طبقات شتى، ويختلف منبع غنائهم، فبعضهم من طبقة راقية مثقفة، وبعضهم من طبقة شعبية مثال الأولى ما حكي من أن مفتيا للديار المصرية وضع أغنية «الله يديم دولة حسنك» ومثال للثاني «سبع سواقي بتنعي لم طفولي نار.»
وأكثر المغنين والمغنيات يظهرون «شيطاني» من غير تعليم ولا مدرسة، إنما منحو حسن الصوت الطبيعي فاتجهوا بعد ذلك إلى التعلم، وهي هبة يهبها الله من يشاء، لا نستطيع أن نعللها، فقد كانت من مشاهير المغنيات السيدة ساكنة، وكانت تشتغل فاعلة تحمل المونة في القوالب، تغني للفعلة، ثم اكتشف حسن صوتها بالمصادفة، وفي حفلات الغناء يكون عادة رجل مخصوص يسمى «مطيباتي»، من وظيفته تطييب خاطر المغني أو المغنية بإظهار علامات الإعجاب؛ وقد يحترف المطيباتي حرفة بيع اللب، وقد يكون سافلا فيكون صلة الغرام بين الرجل والمغنيات، أما الآلات الموسيقية فهي كثيرة بسيطة ومركبة، فالبسيطة كالمزمار والطبل البلدي والرق والنقرزان، والكاسات والصاجات والمركبة كالناي والعود والقانون، ومن آلاتهم الجديرة بالذكر الربابة، وهي عبارة عن كمنجة ينقصها التجويف، ويستخرجون منها نغمات شجية.
والمغنيات في مصر تسمين «العوالم» وهي تسمية غريبة، ولهن أغان خاصة، وخصوصا عند زفة العروس وزفة العريس، وقد يأخذن أجرا صغيرا في مقابل النقطة الكثيرة التي مر ذكرها في موضعها، وقد أدخلت الموسيقى الغربية في الجيش المصري مع الموسيقى العربية، ولذلك يلقى الجيش في الحفلات والميادين أدوارا من الموسيقى الشرقية وأدوارا من الموسيقى الغربية، ثم ارتفع حديثا شأن المغنين والمغنيات حتى لم يعد يستنكر أن يجلس العظيم في مجلس مغن كبير أو مغنية كبيرة، وقدروا الغناء كفن جميل.
الموظفون:
ويسمون أيضا المستخدمين، وكان يسمي العوام الواحد منهم «ابن عيشة»، أو أنه خضع للوظيفة التي عليها قوام معاشه، ويكثرون من ذكر هذه الكلمة للاعتذار عن خضوعه للرئيس، وأنه مضطر لتحمل مشاق الوظيفة، للحصول على العيش الذي هو الخبز.
وللموظفين عادات رديئة، منها التزامه الخطط المرسومة حتى كأنهم آلة صماء، ومنها انتظار الموظف آخر الشهر لقبض المرتب، فلا يسعى في جلب رزق آخر، ومن سوء هذه العادات الأخيرة أن الموظف إذا رفت من وظيفته أو أحيل إلى المعاش لا يجد نفسه صالحا لأي عمل حر آخر.
وقد قال البوصيري صاحب البردة قصيدة لطيفة في المستخدمين، وتكاد تكون حالتهم كحالة الموظفين اليوم وهي:
يا أيها المولى الوزير الذي
أيامه طائعة أمره
ومن له منزلة في العلا
تكل عن أوصافها الفكره
إليك نشكو حالنا إننا
حشاك من قوم أولي عسره
في قلة نحن ولكن لنا
عائلة في غاية الكثره
قد أقبل العيد ما عندهم
قمح ولا خبز ولا فطره
1
فارحمهمو إن عاينوا كعكة
في كف طفل أو رأوا تمره
تشخص أبصارهم نحوها
بشهقة تتبعها زفره
كم قائل يا أبتا منهم
قطعت عنا الخير في كره
ما صرت تأتينا بفلس ولا