المقاطعة:
إذا قال الرجل سأفعل كذا، قالوا: بلاش مقاطعة. أي لا تسبق الزمان، فلعل المقدر يعاكسك، وقل: إن شاء الله.
ويحكون أن رجلا كان عنده جرة كبيرة مملوءة لبنا ومعلقة في السقف، فنام في سريره ونظر إلى الجرة فتمنى الأماني أن يبيع اللبن ويشتري بثمنه بيضا، ثم إذا كثر البيض باعه واشترى نعجة، والنعجة تلد له شياها كثيرة، فيسرح بها، وإذا خالفته إحداها ضربها بعصاه هكذا. وحرك عصاه فأصابت الجرة فكسرت وذهب سدى ما فيها من لبن. يحكونها للدلالة على أن الأماني قد لا تتحقق، ويسمون هذه مقاطعة، وأن المقاطعة قد تنعكس على صاحبها، بل إنها كثيرا ما تدعو القدر إلى معاكسته.
وتستعمل كلمة المقاطعة أيضا في أن يقاطع الإنسان الآخر أثناء كلامه، فلا ينتظره حتى يتم كلامه، واشتهر المصريون بذلك أيضا، فلا يكاد يبدأ المحدث حديثه حتى يقاطعه سامعوه؛ ولذلك يسرع المتحدث في حديثه شاعرا بالخشية من أن يقاطعه أحد. وهم في حاجة إلى أن يتعلموا فن السماع، فللسماع فن كفن الكلام، فيتركون المتحدث في حديثه إلى أن يتمه، ثم لهم الحق في أن يردوا عليه إلى أن يتموا ردهم.
المقويات:
أولع المصريون من قديم بالمقويات على أشكال مختلفة، من منزول ومعجون، وكذلك الشرقيون. وتقرأ القاموس المحيط للفيروزابادي، فلا تكاد ترى صفحة من صفحاته خالية من دواء أو نبات، ينص على أنه يقوي الرجل، كأنه اختصاصي في هذا الموضوع، وأخيرا زعم الفرنج أنهم اكتشفوا أشياء تفعل فعل هذه الأشياء الشرقية وردوها إلى الشرق، كخصا الثعلب وغيره. (انظر معجون ومنزول).
مقياس الروضة:
كان مقياسا قديما من قبل الإسلام، فلما اختل بناؤه بنى سليمان بن عبد الملك الأموي العمود الموجود الآن للمقياس؛ بدليل الكتابة التي عليه، وقد اختل مرارا ثم أعيد ترميمه. قد اعتنى المصريون من قديم بهذا المقياس؛ لأن النيل عندهم هو رب ثروتهم والعامل لخيرهم، ولولاه لكانت مصر صحراء قاحلة.
وقد أنشأوا المقياس ورتبوا عليه تحصيل الضرائب؛ لأنه إذا لم يرتفع أو علا كثيرا فغرق الأرض لم يكن من العدل تحصيل الضرائب كالمعتاد، والزيادة المعول عليها هي ما بين ستة عشر ذراعا وأربعة وعشرين. وجعل هذا المقياس في الروضة بحيث يدخل الماء إلى حجرة لا يفعل فيها الهواء، فتنقطع الأمواج، ويمكن مقياس النيل مقياسا صحيحا.
وقد عين للمقياس محمد علي باشا رجلا اسمه الشيخ علي، ولقب بالمنادي؛ لأنه ينادي هو وأتباعه على النيل كل يوم، وجعل له مرتبا. ولما مات عين مكانه ابنه وأمر المهندسين بالكشف على المقياس كل عام، وإجراء ما يلزم له من التطهير والتعمير.
وأقيمت مقاييس أخرى في أعلى الصعيد ليستدل منها على ما سيكون الحال في مصر، حتى إذا كان النيل في أعلاه، اتخذت الاحتياطات الكافية لاتقاء الغرق. وعمل مقياس في الخرطوم، ومقياس في مدينة أسوان، ومقياس في القناطر الخيرية.
وقد جرت العادة بأن النيل متى بلغ ستة عشر ذراعا احتفل بوفائه، وسمي اليوم يوم وفاء النيل، وكتب سجل يثبت أن النيل بلغ حدا يجوز معه للوالي أن يحصل الضرائب. والاحتفال به قديم، وكان بالغا حد العظمة، وإلى اليوم تزين مركب تسمى العقبة، ويكون فيها الموسيقيون وغيرهم. وكان الموكل بالمقياس يطلق عليه اسم قاضي المقياس، وهو الذي يقيس كل يوم زيادة النيل أو نقصه ويخبر بذلك الحكومة وينادي بذلك في المدينة، ويقيد في دفتر مخصوص. ولهذا كان شيخ المقياس يعرف فيضان النيل يوما فيوما من ابتدائه إلى انتهائه.
وفي عهد إسماعيل باشا نظم مقياس جزيرة أسوان، وأمر العامل عليه أن يخبر مصر كل يوم بواسطة التلغرافات ترسل إلى مصر.
والمصريون أيضا يسمون بلوغ النيل فيضانه، والاحتفال به جبر الخليج؛ لأن خليج القاهرة كان يمد بالماء في هذا العيد ... والمنادون وأولادهم يسيرون في شوارع القاهرة يوم عيد جبر الخليج وبأيديهم الجريد عليها الرايات من البفتة الملونة: الأخضر والأحمر والأبيض، ويقولون: البحر زاد غرق البلاد! ويرد عليهم آخرون يقولون: عوفا الله! بإمالة الألف في الله، وأصل عوفا الله: أوفى الله؛ أي أوفى الله النيل.